العدد : ١٣٥١٦ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠١٥ م، الموافق ٦ جمادى الآخرة ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٥١٦ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠١٥ م، الموافق ٦ جمادى الآخرة ١٤٣٦ هـ

قضايا و آراء

استخدام الصيرفة الإسلامية عالميا

بقلم: د. عمر أحمد العبيدلي *



في اجتماعه العام في المنامة في نهاية فبراير 2015، بحث مجلس البنوك الإسلامية في موضوع «استراتيجيات التوسع الدولي للمؤسسات المالية الإسلامية». وشهد قطاع الصيرفة الإسلامية نمواً ملحوظاً خلال آخر عشر سنوات، حيث تضاعفت قيمة أصول المؤسسات المالية الإسلامية في الفترة 2006-2011؛ إذ تبلغ قيمتها اليوم ما يزيد على تريليونيْ دولار أمريكي. ويعود نصيب الأسد من هذا التوسع إلى تبني مسلمين مقيمين في دول غير مسلمة لهذا النمط الصيرفي أساساً؛ لأسباب دينية شخصية، وليس بحثاً عن مردود مالي يفوق ما يمكن الحصول عليه في المصارف الربوية. وحينما تقوم المصارف الغربية التقليدية بإطلاق خدمات مالية بحسب الشريعة الإسلامية، فإنها تروَّج تلك الخدمات على العملاء المسلمين، وتركّز الرسالة التسويقية على الالتزام بالمبادئ الإسلامية كأهمّ ميزة، ونادراً ما تُذكر الأسس المالية التفصيلية كوسيلة لاستقطاب العملاء.
وبدأت المصارف – مؤخراً - تبحث عن عميل غير مسبوق، وهو العميل غير المسلم، والذي يقوم استخدامه للخدمات المالية الشرعية على اعتبارات تتعلق بالمردود المالي والمخاطرة ومن دون اهتمام بأي جانب ديني. وكان للأزمة المالية الدولية التي حدثت في فترة 2007-2008 دور كبير في إقناع غير المسلمين بأنّ الأدوات المالية الإسلامية تستحق نظرة على أساس ربحي، فكان غير المسلم يعتبر أنّ عملاء المصارف الإسلامية هم أشخاص متنازلون عن الأرباح المالية لغرض ديني، وبالتالي يبحثون عن مردود لن يتحقق إلا في الآخرة. ولكن أشارت الأزمة إلى ضعف جذري في النظام المالي التقليدي؛ مما دفع الخبراء وغير الخبراء إلى البحث عن بدائل لا تتسم بنفس السلبيات.
وتركّزت انتقادات المحللين تحديداً على المشاكل التي تنبع من السيولة الهائلة والتركيز على الأرباح ذات المدى القصير؛ لأنّ النظام التقليدي يسمح للمضارب أن يحقق كمّاً هائلاً من الأرباح بسرعة فائقة، عبر أدوات مالية معقّدة، وغير شفّافة، وغير مرتبطة بمشروع ملموس – وبالتالي غير شرعية – إن كان المضارب مستعداً أن يخاطر بشكل كبير. وانفجرت الأزمة حينما خاطر بهذه الطريقة كل من المضاربين، والمصارف، وشركات التأمين، وحتى بعض الحكومات. وتساءل كبار العملاء وصغارهم: هل تقدم الأدوات المالية الإسلامية بديلاً لا يتعرض لنفس السلبيات؟ وبالتالي هل من مصلحة الفرد الرأسمالي غير المسلم أن ينقل أمواله من مصارف ربوية إلى مصارف إسلامية؟
وللإجابة عن هذا السؤال: تم عمل دراسة رصينة قام بتنفيذها كل من الباحث الألماني ثورستن بيك والباحث التركي أسلي كونت والباحثة الجزائرية وردة مروش بمقارنة النموذج المصرفي التقليدي بالنموذج الإسلامي، من ناحية الربحية والفعالية والاستقرار. ومن هذا الجانب، تشكل طبيعة العلاقة بين المقرض والمقترض أهم اختلاف بين النموذجين. فبحسب المنظور الإسلامي، تعكس القروض تعاوناً وشراكة بين الطرفين؛ لأجل إنجاز مشروع ملموس. وأمّا بحسب المنظور الغربي، فهناك ميزة إضافية وجوهرية في القروض، إذ تمثّل محاولة المقرض للحصول على مردود مالي مضمون تفادياً لأي مخاطرة ومن دون اشتراط وجود مشروع ملموس، ويؤدي هذا الاختلاف إلى تباين في طبيعة المشاريع المسموحة وفي حوافز الرقابة بين الطرفين.
فعلى سبيل المثال، حينما يودع عميل ما مبلغاً في مصرف ربوي مقابل فائدة مضمونة، إن كان العميل واثقاً في قدرة المصرف على الالتزام، فهو غير محفّز على رقابة المصرف، وتفتح هذه الثقة مجالاً لمخاطرة غير مسؤولة من قبل المصرف، وقد تهدد تلك المخاطرة النظام المالي إذا انتشر أسلوب عدم الرقابة في أغلبية المصارف والمعاملات المالية.
أمّا إن أودع العميل المبلغ في مصرف إسلامي، فالمصرف غير مصرّح له تقديم مبلغ مضمون كمكافأة للعميل، بل يتوجب على المصرف أن يوضح للعميل أنه في حالة استثمار المصرف لأموال العميل، فإنّ في ذلك مخاطرة على المصرف، ويتوجب على العميل أن يشارك في هذه المخاطرة، ويحفز هذا العميل أن يستفسر عن طبيعة المشروع المقترح؛ لكي يجمع معلومات عن المردود المتوقع وعن الخسائر المحتملة في حالة عدم نجاح المشروع. ويحفز هذا التدقيق المصرف إلى التركيز على مشاريع رشيدة استباقاً لاستفسارات العميل، وذلك لاستقطاب أمواله.
وتعتبَر الآلية الموصوفة أعلاه فكرة نظرية عن عامل قد يؤدي إلى تفوق المصارف الإسلامية على المصارف الربوية. وماذا عن الجانب الفعلي؟ بناءً على بيانات مصرفية للفترة 1995-2009 والتي تشتمل على الأزمة المالية الدولية، اكتشف الباحث بيك وزميلاه أنّه مقارنة بالمصارف الربوية، فإنّ المصارف الإسلامية تتميز بجودة أعلى من الأصول، وتتسم بقدرة أكبر على الصمود أثناء الأزمات المالية. وتأتي تلك الإيجابيات شكلياً على حساب الفعالية في أعمالها الداخلية، لأنّ التكاليف الإدارية للمصارف التقليدية أدنى من تكاليف نظرائها في القطاع الإسلامي، ولكن ربما تعود هذه الظاهرة إلى قلة خبرة المصارف الإسلامية نسبياً؛ نظراً لأنّ معظمها تمّ تأسيسها خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وبالتالي فإنّ ذلك ربما لا يعكس وجود أي ثغرة جذرية في الصيرفة الإسلامية.
وبالعودة إلى مجلس البنوك الإسلامية، نجد أنّ طبيعة النقاش خلال اجتماع 2015 اختلفت عما جرى في اجتماع 2000: كان التوسع الدولي للمصارف الإسلامية قائماً على تواجد عدد هائل من المسلمين في دول غير مسلمة يبحثون عن وسائل مالية شرعية، أمّا الآن، فقد تمّ توعية «المحرّك الكامن» وهو: العميل غير المسلم. وقد يشكّل هذا السبب الأساس لإعلان مدينة لندن خطتها لاحتلال دور العاصمة الدولية للصيرفة الإسلامية، فالرأسماليون الإنجليز يفكّرون في الخمسة مليارات من غير المسلمين في العالم الذين تعذبوا خلال الأزمة المالية الدولية، وليس فقط في الملياريْ مسلم المنتشرين في كل أنحاء العالم. وإن شاء الله ستحتل البحرين دوراً ريادياً في اغتنام الفرص المتاحة لتعزيز قطاعها المتميز للخدمات المالية. وربما ستصبح الرسالة التسويقية للمصارف التقليدية: «كن مسلماً ورشيداً».

* مدير برنامج الدراسات الدولية والجيو- سياسية
مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات)






aak_news