العدد : ١٣٤٤٦ - الخميس ١٥ يناير ٢٠١٥ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٦ هـ

العدد : ١٣٤٤٦ - الخميس ١٥ يناير ٢٠١٥ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٦ هـ

المال و الاقتصاد

الاستثمار والواقع الجديد: التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي

{ بقلم: راجو مانداجولاثور



شكَّل العام الماضي منعطفاً كبيراً لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث شهدنا ارتفاع أسعار الأسهم الخليجية بقوة خلال الأشهر الخمسة الأولى للعام لتتبعها مجزرة رهيبة أواخر العام بسبب الآثار الجانبية لتقلبات أسعار النفط الخام، وسادت الأسواق مع مطلع العام 2015 حالة من الذعر والتخَبُّط والتشكُّك. وتبحث الجمعية العالمية لممتهني الاستثمار التي تضع معيار التفوق والاعتراف المهني، في هذا التحليل إرهاصات هذه التطورات على ساحة الاستثمار الخليجية.
قد يغفل المرء عن مشاهدة الصورة الأكبر للأمور حين تصاب الأسواق المالية بحالات من عدم اليقين أو عندما تتعرض لأزمات مالية، فقد مكنت السنوات العديدة من ارتفاع أسعار وعائدات النفط حكومات واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي من زيادة الانفاق وتكوين احتياطيات مالية قوية، وتشكل المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر اقتصادات دول المجلس، نموذجاً ممتازاً لدراسة هذه التطورات وآثارها، وفي السياق ذاته، قد يكون من المفيد أن نستعرض ثلاث حقبات زمنية هي أعوام 1998 و2008 و2014، لنفهم الصورة الكبيرة لما جرى، ووفقا لمعهد التمويل الدولي والبنك الدولي، إن المنطقة قد شهدت ثلاثة منعطفات حاسمة خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، حيث عانت من انخفاض قياسي لأسعار النفط عام 1998 ومن الآثار الجانبية التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية عام 2008 ومن التدهور الكبير لأسعار النفط أواخر العام 2014.
وبالمقارنة مع عام 1998، تبدو دول مجلس التعاون الخليجية اليوم قادرة على التغلب على أي أزمة قد تنجم عن تدهور أسعار وعائدات النفط نظراً الى ضخامة الاحتياطيات المالية التي كوَّنتها خلال السنوات الماضية، إذ إن الاحتياطيات السعودية من العملات الأجنبية مثلاً والتي تبلغ 793 مليار دولار أمريكي تفوق نظيرتها في عام 2008 بنحو 17 مرة، كما أن تلك السنوات شهدت نمواً اقتصاديا كبيراً متمثلا في نمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي وما رافقه من زيادة كبيرة في القيمة السوقية للأسهم والسيولة، كما شهدت تلك السنوات نمواً في أعداد السكان تجاوزه معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ ومما ادى الى مع ارتفاع حصة الفرد من ذلك الناتج.
وقد يوفر لنا استعراض معدلات نمو الانفاق في المملكة العربية السعودية مؤشرات مفيدة تساعدنا في استقراء هذه التطورات، فقد ارتفع إجمالي الانفاق العام من مبلغ متواضع نسبياً بلغ 50 مليار دولار أمريكي عام 1998 ليتضاعف 5 مرات ويبلغ 260 مليار دولار أمريكي عام 2014، حيث ارتفع معدل الانفاق الجاري أربع أضعاف وأما معدل الانفاق الرأسمالي فقد ارتفع بمقدار ضعف. وتوضح هذه النفقات سبب رصيد الموازنة المالية لدول المجلس مقارنة مع معدلاتها خلال المنعطفين السابقين. كما ارتفعت قيمة المؤشر العام لأسواق الأسهم السعودية خلال هذه الفترة من 1440 نقطة إلى 7900 نقطة، وقد بلغت 20.000 نقطة في إحدى المراحل، وحين نتناول تلك المعطيات من منظور إجمالي الناتج المحلي، نجد أن نسبة القيمة السوقية للأسهم إلى إجمالي الناتج المحلي لا تزال مواضعه عند مستوى 55%، ما يفسح المجال أمام ارتفاع كبير آخر في القيمة السوقية للأسهم.
من ناحيته، حفًّز ارتفاع أعداد السكان من فئة الشباب بصفة خاصة ارتفاعاً موازياً في الطلب على العديد من السلع والخدمات، بما فيها الخدمات المصرفية والاتصالات والإسكان والسلع الاستهلاكية والرأسمالية على حد سواء، فقد أطلقت زيادة الانفاق الجاري طفرة استهلاكية في حين أدت الزيادة في الانفاق الرأسمالي إلى تركيز الإنفاق في البنى التحتية على قطاعات الطاقة والطرقات والطيران والمياه وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والتعليم والرعاية الصحية.
كما شهدت هذه الحقبة تطورات تنظيمية مهمة، حيث قام العديد من دول مجلس التعاون الخليجي بما فيها المملكة العربية السعودية بإنشاء هيئات مستقلة لتنظيم عمل وتحديث أسواقها المالية واجتذاب لاعبين جدداً إليها، وشمل هذا التطور قطاعات أخرى أمثال الاتصالات والتأمين وغيرها.
إلا أن هذا النمو الاقتصادي والاستثماري لم يترافق مع تحسن بيئات العمل، وفق تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وبالرغم من أن التحسن الذي طرأ على أداء تسهيل افتتاح الشركات الجديدة والبنية التحتية والحصول على القروض، فإن أداء معايير مهمة أخرى أمثال سهولة مباشرة الأنشطة الاقتصادية والرعاية الصحية والتعليم الابتدائي وكفاءة العمالة والقدرة على الاحتفاظ بالموظفين المتميزين تدهورت خلال الفترة الواقعة بين عامي 2008 و2014.
وبناء عليه، يتعيَّن على دول مجلس التعاون الخليجي الاستعداد للتكيُّف مع تذبذب أسعار وعائدات النفط واستثمار احتياطياتها المالية الضخمة في تنويع مواردها الاقتصادية من خلال تحسين بيئات العمل فيها، فعلى الرغم من الصورة الكلية الواعدة لحالة الاقتصاد الخليجي بسبب السنوات الطويلة من ارتفاع أسعار وعائدات النفط، تحتاج الدول الخليجية إلى نقلة نوعيه في تصنيفاتها العالمية لكي تتمكن من استغلال إمكانيات التوسع الكبيرة التي تتيحها لها قطاعات رئيسية أمثال الخدمات المصرفية والاتصالات والبنى التحتية والخدمات، ويحتاج الى تحسين أداء تلك القطاعات إلى مجوعة من الإصلاحات المختلفة على عدة مستويات والتي يجب تنفيذها بشكل صحيح، ويتعيَّن على الحكومات الخليجية تزويد مختلف الوزارات والإدارات بمجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية لكي تنجح في تنفيذ استراتيجياتها الإصلاحية، وتبدو الحاجة ماسَّةً لتسريع عملية الإصلاح وتنويع الموارد الاقتصادية، وخاصة في ضوء الزيادة المستمرة في سعر انفط المطلوب لاستعادة توازن الميزانيات الخليجية. وهذا هو في نظري الواقع الجديد الذي يواجه حكومات واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في العام الجديد!

عضو فرع الكويت لمعهد المحللين الماليين المعتمدين




aak_news