العدد : ١٣٣٣٥ - الجمعة ٢٦ سبتمبر ٢٠١٤ م، الموافق ٢ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ

العدد : ١٣٣٣٥ - الجمعة ٢٦ سبتمبر ٢٠١٤ م، الموافق ٢ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ

قضايا و آراء

انفجار قنبلة المخلفات في روسيا

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني



كنتُ أظن أن الحادثة التي وقعت في 14 فبراير من العام الجاري في موقعٍ للمخلفات النووية بالقرب من مدينة (Carlsbad) الواقعة في منطقة صحراوية نائية جنوب شرق ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، وكتبتُ عنها قبل أيام، هي الوحيدة من نوعها في التاريخ البشري، ولكنني عندما قُمتُ ببحثٍ دقيق لقضية المخلفات النووية المتكدسة في الدول الصناعية، أو مخلفات الدمار الشامل، والتي تُهدد حياة كل كائنٍ حي يعيش على سطح الأرض، وجدتُ أن هناك كارثة عظيمة وقعت في روسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقاً في مثل هذا الشهر، وبالتحديد في 29 سبتمبر 1957، وأُطلق عليها بكارثة كيشتيم (Kyshtym disaster)، وتم تصنيفها الآن على الدرجة السادسة على المقياس الدولي للحوادث النووية، وتُعد ثالث أكبر كارثة بيئية نووية بعد فوكوشيما عام 2011 في اليابان، وتشرنوبيل 1986 في أوكرانيا.
تبدأ قصة هذه الكارثة بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد عام 1945، عندما وجد الاتحاد السوفيتي نفسه متأخراً كثيراً عن التطور الأمريكي المشهود في صناعة وإنتاج أسلحة وقنابل نووية، فقامت في عجالة شديدة في بناء مجمعٍ سري لإنتاج الأسلحة النووية بجميع أنواعها وأحجامها، وأُطلق عليه مصنع ماياك (Mayak) في مدينة أزيورسك (Ozyorsk)، ونتيجة للتكتم الكبير على هذه العملية، والسرية التامة التي أُحيطت بإنشائه، فقد تم إزالة هذه المواقع من خريطة روسيا كلياً، أي أنها في الواقع الرسمي وعلى الأرض غير موجودة، ولذلك فأقرب مدينة رسمية موجودة في الخارطة هي منطقة كيشتيم عند جبال أورال (Ural Mountains) في سيبيريا.
ولذلك كان جُل الاهتمام منصباً على سرعة التصنيع والإنتاج للأسلحة الذرية واللحاق بأمريكا، بل والتفوق عليها، وأما ما ينتج عن هذه العمليات من مخلفات مشعة سائلة أو شبه صلبة فلم تلق أي رعاية، أو عناية، وكانت آخر قضية يفكر فيها العسكريون والعلماء في ذلك الوقت، حيث إن هذه المخلفات المشعة صُرفت مباشرة وبدون أية معالجة إلى المسطحات المائية، مثل نهر تيشا (Techa River) من جهة، وبحيرة كاراشاي (Lake Karachay) من جهةٍ أخرى والتي استعملت كمدفن مفتوح للتخلص من هذه المخلفات المشعة والقاتلة، وبعد سنوات تم تخزين الجزء الآخر من هذه المخلفات في براميل حديدية ووضعت في قالبٍ من الخرسانة المسلحة، ودفنت في الموقع على بعد نحو ثمانية أمتار تحت سطح الأرض.
وظن علماء الاتحاد السوفيتي أنهم فعلاً قد تخلصوا من هَمِّ هذه المخلفات المشعة والقنابل الموقوتة التي كانت تجثم فوق صدورهم وتتكدس في مواقعهم يوماً بعد يوم، فهذه القنابل والمواد المشعة بدأت مع الوقت تفقد جزءاً من نشاطها الإشعاعي، أي أنها أخذت في التحلل رويداً رويدا ونجمت عنها حرارة عالية دمرت ومزقت الخزانات الحديدية والإسمنتية وفجرت الموقع برمته، ونتيجة لشدة الانفجار الذي قُدرت قوته بانفجار مائة طنٍ من الـ «تي إن تي»، انطلق صاروخ أرض جو من الخرسانة يزن 160 طناً إلى الهواء الجوي، كما انبعثت الملوثات المشعة إلى الهواء، فكونت سحباً مشعة قاتلة، لوثت مساحة أكبر من مساحة البحرين بنحو 25 مرة، وانتقلت إلى مناطق أخرى تبعد أكثر من 350 كيلومتراً من موقع الكارثة. وبعد أكثر من أسبوع من الكارثة، تم إخلاء سكان قرابة 248 قرية ولكن من دون إشعارهم بأسباب هذا الإخلاء وهجر منازلهم!
واستمرت هذه الكارثة في طي النسيان والكتمان، فالعالم الداخلي في الاتحاد السوفيتي والعالم الخارجي لم يعلموا شيئاً عن هذه الكارثة حتى 13 أبريل 1958، أي بعد سبعة أشهر من وقوعها، عندما نُشرت تقارير غربية غير مؤكدة عن وقوع حادثة ما في الاتحاد السوفيتي، ولكن تفاصيل الكارثة تم نشرها على الملأ عام 1976 في مجلة نيو سينتس (New Scientist)، ثم قامت روسيا بتحرير الوثائق السرية حول الكارثة عام 1989، ومع ذلك مازال الغموض حتى يومنا هذا يلف بهذه الكارثة، فعدد الذين تعرضوا للإشعاع غير معروف، وعدد المتضررين من مرضى وموتى مجهول، والمساحات التي تسممت بالإشعاع في البيئات المائية من أنهار وبحيرات وبيئة التربة لا يعلمها إلا الله!
فكما أن هذه الكارثة أُحيطت بالسرية التامة لعقودٍ من الزمن بعد وقوعها، فربما تكون هناك كوارث مماثلة وقعت أثناء الظلام الدامس في روسيا، أو الولايات المتحدة الأمريكية، أو بريطانيا، أو غيرهما من الدول النووية التي تعاني حتى يومنا هذا من عشرات الآلاف من الأطنان من مخلفات الدمار الشامل المخزنة في أراضيها، ولم يجدوا حتى الآن الحلول المناسبة للتعامل معها، فهي إذن قنابل موقوتة انفجرت من قبل، وستنفجر مستقبلاً في أية لحظة.
وبالرغم من معرفة دول العالم ومجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى المختصة عن التداعيات الأمنية، والبيئية، والصحية لهذه القنابل على الكرة الأرضية برمتها، فإن الصمت هو سيد الموقف، والتجاهل وغض الطرف هي السياسة التي تتبعها هذه المنظمات، ولن تتغير هذه السياسة إلا بعد وقوع كارثة جديدة تدمر الحرث والنسل وتأكل الأخضر واليابس.

bncftpw@batelco.com.bh






aak_news