العدد : ١٣٢٦٠ - الأحد ١٣ يوليو ٢٠١٤ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٣٥ هـ

العدد : ١٣٢٦٠ - الأحد ١٣ يوليو ٢٠١٤ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٣٥ هـ

رسائل

في العراق.. خمسة آلاف موقع أثري عرضة للنهب والنبش والتخريب

رسالة بغداد: د.حميد عبدالله



لم يتوقف مسلسل نهب الآثار العراقية عند سرقة اللقى والقطع النادرة والتماثيل والرقم الطينية النفيسة، بل تعداه إلى النبش الاعتباطي لمواقع أثرية عجزت الدولة عن توفير الحماية لها!
وبحسب الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية العراقية عدنان الاسدي فإن حماية المواقع الاثارية تحتاج إلى المال، وإلى فيلق من الحراس، مشيرا إلى وجود ما يقرب من 30 ألف موقع أثري مهم في العراق بحسب دراسة حديثة لمجلس الوزراء، وتلك المواقع لا تحظى بالحماية التي تحتاجها.
وبين الاسدي انه قياسا لعدد المواقع الأثرية فإن القوات العسكرية المكلفة بحمايتها لا تتعدى اصابع اليد.. بل ان الغالبية العظمى من تلك المواقع الاثرية لا تحظى بأي نوع من أنواع الحماية، والسبب ليس لقصور في نظرتنا لكن لان الواقع الامني العراقي كما يعرف الجميع كان متدهورا جدا، وكان من الصعب إيقاف عمليات تهريب الآثار كون الحدود تقريبا مفتوحة وكل شيء يمكن تهريبه!
وطبقا للجداول المؤشرة في وزارة الداخلية فإن الآثار التي يتم تهريبها من وسط وجنوب العراق اكبر بكثير من باقي المناطق العراقية، ويعزو السبب في ذلك إلى غنى وثراء تلك المناطق بالآثار التي تمتد لحضارة عمرها اكثر من 5000 سنة.
ويقول مصدر في هيئة الآثار والتراث ان الآثار يتم تهريبها ونقلها من المناطق الجنوبية إلى المناطق الغربية في العراق، ومن هناك يتم تهريبها بشكل اسهل برا إلى الدول الاخرى، مؤكدا أن هناك ما يقرب من خمسة آلاف موقع اثري تتعرض للنبش الاعتباطي والنهب من غير ان يلتفت أحد إلى ذلك.
وعلى وفق ذلك فإن معادلة التهريب والقرصنة تقتضي ان يحصل مهربو الاثار الجنوبيون على مبالغ زهيدة قياسا بتلك التي يحصل عليها تجار الآثار في المنطقة الغربية من العراق، حيث يبيع مهرب الآثار الجنوبي بضاعته بسعر رخيص بالنسبة لتاجر الآثار في المنطقة الغربية، وتفوق ارباح تجارة تهريب الاثار العراقية ملايين الدولارات.!
هناك تلال كتبت عليها تحذيرات تقول (منطقة آثار ممنوع الاقتراب) وكان هذا التحذير له مهابته في زمن النظام السابق لان عقوبة سرقة الآثار وتهريبها تصل إلى درجة الاعدام، كما ان هناك مغريات كبيرة لمن يسلم قطعا اثرية إلى الجهات الحكومية المعنية اذا كان قد حصل عليها بطريق الصدفة، ولم يكن طرفا في نبشها أو محاولة تهريبها.
ليست هناك احصائية عن القطع الاثرية التي تم نبشها من المواقع الاثرية وتهريبها لكن هناك ارقام اقرب إلى الدقة عن القطع التي تمت سرقتها من المتاحف العراقية بعد الاحتلال الامريكي، وما يسرق من المتاحف شيء وما ينبش من المواقع ويأخذ طريقه إلى السوق السوداء عبر سلسلة من الوسطاء شيء مختلف!
المختصون في الآثار يقولون انه من الصعوبة بمكان تحديد أرقام الآثار والكنوز المسروقة من المواقع الاثرية في العراق بسبب عدم وجود تنقيبات دقيقة واحصائيات معتمدة، بل ان قسما كبيرا من تلك الاثار لم يتم تدوينه في سجلات خاصة لهذا الغرض.
وبحسب الدائرة الاعلامية في هيئة الآثار والتراث فإن اثار حضارة سومر مثلا تنتشر على طول العراق وعرضه والغالبية منها مدفونة تحت الارض لكنها تتركز في البصرة وميسان وواسط وبابل وكربلاء والنجف والديوانية والانبار.
ويضيف التقرير الاعلامي الدوري لهيئة الآثار العراقية: عندما تم نهب مقتنيات المتحف الوطني العراقي واجهنا صعوبات شديدة في تحديد المسروقات لان اغلبها لم يتم تدوينه في سجل المتحف، وكان المتحف وكأنه ملك صرف لمسؤولين نافذين في الحكومة التي انهارت وتوارى رجالاتها عن الانظار، ولا ندري اين اختفت كنوز الحضارة العراقية الممتدة لاكثر من 5000 سنة!
وتشكل تلك الكنوز تيجان لملكات وملوك وقلائد ومقتنيات ذهبية ضخمة ومخطوطات نفيسة وغيرها.
ويشير التقرير إلى ان الارقام الرسمية تؤكد فقدان قرابة 150 ألف قطعة اثرية ثمينة خلال نهب المتحف الوطني بعد دخول القوات الامريكية في التاسع من نسيان وما تلاه، وبلغ عدد قطع الآثار التي استردها العراق بين أربعة آلاف وسبعة آلاف قطعة أثرية من تلك التي فقدت خلال عمليات السلب والنهب، وتشتمل المسروقات على تعويذات وقطع عاج آشورية، ورؤوس منحوتة، وأوان طقسية، وخواتم اسطوانية يتم تهريبها والتعامل بها في أوساط فنية وأسواق سوداء في العالم.
القوانين التي تحمي الآثار في العراق تفاوتت بشدتها بين نظام سياسي وآخر لكن جميع الحكومات شرعت قوانين رادعة لحماية الآثار.
إن اول قانون صدر لحماية الاثار العراقية كان في عام 1922 ثم تلته قوانين ولوائح تنظيمية عديدة، اخرها القانون (رقم 55) لسنة 2002، الذي اورد في الاسباب الموجبة لصدوره «الحفاظ على الابنية التراثية والاثرية باعتبارها موروثا ثقافيا وعلميا يمثل الهوية الحضارية للشعب العراقي وذات صلة بنشوء حضارته عبر العصور المختلفة، ما يقتضي الحماية والصيانة وعدم التجاوز أو التخريب كي يبقى منارا أمام العالم». كما تضمن القانون نصوصاً عقابية.
ويؤكد الخبير القانوني طارق حرب ان اقصى عقوبة تضمنها القانون هو الاعدام لمن يتاجر ويهرب الاثار العراقية، الا ان الحاكم المدني الامريكي بول بريمر استبدل عقوبة الاعدام بعد عام 2003 بالسجن المؤبد ولجميع الجرائم، وقد تمت اعادة العمل بعقوبة الاعدام في العديد من الجرائم، فيما ظلت عقوبة السجن المؤبد للمتاجرين والسارقين للاثار سارية إلى وقتنا الحالي.
الاتهامات متبادلة بين القوى السياسية والاحزاب والمليشيات في نبش المواقع الاثارية وسرقة محتوياتها، فالحراس المكلفون بحماية المواقع الاثرية يتم تعيينهم من خلال المحاصصة الحزبية وكل مجموعة محسوبة على حزب ما أو مليشيا معينة وحين يتم النبش والسرقة يلقي كل طرف بالاتهام على طرف آخر، فعلى سبيل المثال اتهمت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ذي قار (400 كم جنوب بغداد) التي تضم نحو 1200 موقع أثري عدداً من حراس المواقع في المحافظة بسرقة الآثار أو التواطؤ مع السارقين! ويؤكد أحد أعضاء اللجنة أن تكرار عمليات سرقة المواقع الأثرية في المحافظة، يُشير إلى احتمال تورط حراس المواقع في عمليات السرقة. ويلفت إلى إحباط القوات الأمنية سرقة 83 قطعة أثرية، في حين كشف المدير العام لشرطة ميسان أن مفارز قسم الآثار والتراث التابعة لمديريته تمكنت من ضبط 27 قطعة أثرية معدَّة للتهريب قرب المزار اليهودي في منطقة العزير، بعدما استغلّ المهرب المتخصص بسرقة الآثار وعورة المنطقة للتخلص منها تاركاً صندوقاً يحتوي على القطع.
كما حذر رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة ميسان من استمرار سرقة الآثار وتهريبها في المحافظة، مناشداً وزارة السياحة أن تفي بوعودها بزيادة عدد الحراس المتخصصين لحماية المواقع الأثرية البالغ عددها أكثر من 400 موقع موزعة في مناطق المحافظة.
يكاد يكون رأس الملك سنطروق من اشهر القطع الاثرية الثمينة التي سرقت في عقد السبعينيات من القرن الماضي ثم نجحت الاجهزة الامنية في استعادته وكانت قصة سرقة الرأس قد تحولت إلى فيلم سينمائي اخرجه الفنان فيصل الياسري اسماه (الرأس).
و«سنطروق» هو واحد من ابرز ملوك الحضر، اذ كانت له بصمة واضحة في بناء المدينة وازدهارها. يقول الباحث الاثاري محمد صبحي الدليمي «ان مدينة الحضر تعرضت لسرقات اخرى في ثمانينيات القرن الماضي، وأوضح ان السرقات طالت ثلاث قطع اثرية مهمة هي تماثيل لأشخاص ورجال دولة.
أما اكبر السرقات التي تعرضت لها المدينة، كما يواصل الدليمي، فحدثت بعد الغزو الامريكي للعراق في عام 2003، حيث فقدت الحضر بعضا من اهم اثارها وشملت رؤوس شخصيات اثرية وجنودا يحملون اسلحة مختلفة».
من جهته، كشف مسؤول امني، طالبا عدم ذكر اسمه، ان المدينة الاثرية في الحضر تعاني من نقص كبير من افراد الاجهزة الامنية التي تقوم بحمايتها، مبينا ان هناك هواجس ومخاوف من وجود تهديدات من قبل الجماعات المسلحة، التي تستهدف المواقع الاثرية، ولا سيما تنظيم القاعدة الذي يعتبر الاثار القديمة وخصوصا التماثيل اصناما وأوثانا يجب تدميرها.
وأضاف المسؤول الامني ان هناك «مناطق أثرية خارج اسوار المدينة لم يتم التنقيب فيها وتحتوي على كنوز كبيرة، وهي مهددة بالسرقة من جانب لصوص ومهربي الآثار الذين يحاولون سرقة الاثار الثمينة».
أحد القائمين على ادارة المدينة أكد للوكالة الصينية انها «تفتقر إلى السياح الذين انقطعوا عنها منذ فترة طويلة، نتيجة تردي الوضع الامني في المنطقة، كما ان البعثات الاجنبية لم تتمكن من الوصول اليها للاسباب نفسها».
في النهاية تبقى اثار العراق الذي تمتد حضارته إلى آلاف السنين باتت نهبا للصوص ومافيات المتاجرة بالآثار والانكى ان أطرافا نافذة في الحكومات المتعاقبة تربطها صلات بمهربين في دول المنطقة ضالعون في النبش والتهريب والسرقة عبر سلسلة متصلة حلقاتها لتنتهي إلى إفراغ بلد الحضارات من الشواهد التي تدل على عمق حضارته وخصبها!








aak_news