العدد : ١٣٢١٢ - الاثنين ٢٦ مايو ٢٠١٤ م، الموافق ٢٧ رجب ١٤٣٥ هـ

العدد : ١٣٢١٢ - الاثنين ٢٦ مايو ٢٠١٤ م، الموافق ٢٧ رجب ١٤٣٥ هـ

رسائل

الرفض الأمريكي لاتفاق «فتح» و«حماس».. الدوافع والأسباب

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية



لا شك أن إعلان «فتح» و«حماس» اتفاق مصالحة جديد بينهما في 23/4/2014 يحظى بالكثير من الاهتمام السياسي والإعلامي لما له من تأثير مباشر على القضية الفلسطينية، لكن ذلك الاهتمام لم يكن مصحوبًا لدى الكثيرين بالتفاؤل حول تبعات ذلك الإعلان، وخاصة أن تجارب الاتفاقات السابقة من اتفاق القاهرة الموقع عام 2005، إلى وثيقة الوفاق الوطني الموقعة عام 2006، إلى اتفاق مكة الموقع عام 2007، إلى إعلان صنعاء عام 2008، إلى الورقة المصرية التي تم التوقيع عليها عام 2009، إلى اتفاق المصالحة الأخير الموقع في القاهرة منتصف 2011، وصولاً إلى إعلان الدوحة الموقع في فبراير 2012، كلها تنذر بأن أي اتفاق جديد لن يكون الأخير كما لم يكن الأول.
لكن ما يجب التوقف عنده حقيقة هذه المرة هو التحركات الإسرائيلية الأمريكية المعادية للاتفاق بشكل علني والساعية حثيثًا لتقويضه بشتى الطرق، حيث جاء الرد اللحظي الصادر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» من خلال بيان صدر عن مكتبه أكد فيه أن: «الرئيس عباس اختار حماس وليس السلام، ومن يختار حماس لا يريد السلام»، كما قام بإلغاء جلسة مفاوضات كانت مقررة في وقت متأخر من يوم 23/4/2014، وذلك قبيل الموعد النهائي للمفاوضات بخمسة أيام كاملة.. وهو ما يشير إلى ثنائية غريبة وهي أنه دائمًا ما قامت الحكومة الإسرائيلية باستغلال حالة الانقسام الفلسطيني كذريعة لعدم إتمام عملية السلام، لكنها الآن تسعى لاستغلال حالة الوفاق بين الفلسطينيين لتحقيق الغرض ذاته.
وكانت إسرائيل قد رفضت قبل شهر من انتهاء المفاوضات إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى، وعددهم 30 أسيرًا وجميعهم اعتقلوا قبل اتفاق «أوسلو»، وفق ما جرى التفاهم عليه مع إسرائيل، قبل انطلاق المفاوضات، فيما رد الجانب الفلسطيني بطلب الانضمام لـ15معاهدة دولية، وهو ما أثار غضب إسرائيل التي اتخذت سلسلة عقوبات ضد الفلسطينيين من بينها تجميد عوائد الضرائب.
وفي الوقت ذاته أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن قلقها من الخطوة الفلسطينية، مؤكدة على لسان المتحدثة باسمها «جين ساكي»، أنها يمكن أن تعقد جهود السلام بشكل خطير، وأتبعت ذلك بخطوات أكثر صرامة مستغلة فترة مشاورات الحكومة الجديدة لتكبيل السلطة الفلسطينية وعرقلة المشاورات، فقد أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا أعلنت فيه قطع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية، وربطت عودتها إما بالتراجع عن الاتفاق مع حركة «حماس» وإما اعتراف الحركة بدولة إسرائيل.
يأتي هذا، فيما أسرعت مستشارة الأمن القومي الأمريكي «سوزان رايس» إلى لقاء «محمود عباس» في الضفة الغربية يوم 8/5/2014، مشددة على أن: «أي حكومة فلسطينية يجب أن تلتزم بشكل واضح وقاطع بتجنب العنف والاعتراف بدولة إسرائيل وقبول الالتزامات والاتفاقيات السابقة بين الطرفين»، متناسية بذلك أنه وفقًا لاتفاق أوسلو في عام 1993 فإنه «لا علاقة للحكومة الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل أو التفاوض معها، فأوسلو تمنع انخراط الحكومة في مضمار العلاقات الخارجية».
لا شك أن خطوة المصالحة الوطنية الجديدة كانت مفاجئة للجميع، ما أثار تلك المواقف والتحركات.
وللوقوف على الأبعاد الحقيقية للاتفاق علينا البحث أولاً في ملابسات الاتفاق وغايات كل من الطرفين من ورائه، والتدقيق في بنوده للتعرف على أبعاده وتبعاته على مستقبل الوحدة الفلسطينية ومفاوضات السلام مع إسرائيل.
بداية، فإن توقيت إعلان الاتفاق يفتح الباب أمام الكثير من التكهنات، وخاصة أنه يتزامن مع فشل آخر لمحادثات السلام بين السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية بوساطة أمريكية، والتي استمرت تسعة أشهر من دون أن تسفر عن حلحلة أي من القضايا العالقة، الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» يسعى من وراء التلويح بورقة المصالحة مع حماس إلى الضغط على إسرائيل لدفع محادثات السلام إلى الأمام، فهو لم يترك مربع التفاوض العبثي ولن يتركه باعتباره خياره الأوحد، غير أنه يحتاج وبشدة إلى تقديم بعض الإنجازات للشعب الفلسطيني وتبرير العودة إلى التفاوض مع إسرائيل، مع تعزيز موقعه خلال المفاوضات في حال لم يستطع فرض شروطه كاملة.
وذلك فيما، أشارت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» الأمريكية في تقرير لها يوم 25/4/2014، إلى أن الاتفاق بالنسبة للرئيس «عباس» سيصرف الأنظار عن انهيار محادثات السلام والخطوة المحفوفة بالمخاطر التي قام بها للحصول على العضوية في المنظمات الدولية كوسيلة لكسب نفوذ دبلوماسي في مواجهة إسرائيل.
وفي المقابل، فإن «حماس» تريد وبأي ثمن إنهاء عزلتها الإقليمية بعد خلافاتها مع مصر وسوريا وإيران في أعقاب ما سمي الربيع العربي، كما تحتاج إلى فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق بعد تأزم موقفها جراء الصراع بين جماعة الإخوان المسلمون والدولة المصرية وتضييق الخناق عليها، ولا سيما أن المصالحة ستفتح المعابر وتحل الأزمة الاقتصادية الطاحنة داخل القطاع.
أي أن ما جمع الطرفين على مائدة واحدة ودفعهما إلى تقديم التنازلات هو المصلحة كما يقول معظم المحللين.
وبعيدًا عن هذا، فإن الطرفين أظهرا إرادة قوية وحماسًا لإنهاء الانقسام، وهو ما يتضح عند مراجعة بنود الاتفاق الجديد والذي ينص على ثلاث نقاط أساسية هي تطبيق الاتفاقيات السابقة، وتشكيل حكومة تكنوقراط خلال خمسة أسابيع ثم تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية بعد ستة أشهر من التوقيع، وإعادة تموضع الفصائل داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك عن طريق ضم حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إلى منظمة التحرير من خلال أعمال نظام المحاصصة.
وعلى الرغم من أن نصوص الاتفاق تؤكد أنه ليس مطلوبًا من حماس أن تعترف بإسرائيل، لأنها ليست ممثلة في الحكومة وفقًا لما أعلنه الرئيس الفلسطيني، إضافة إلى عدم إلزامها بنزع سلاح «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لها، فإنها بلا شك ستكون أكثر برجماتية في إطار حكومة وحدة وطنية يرأسها عباس، ما يجعلها أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي.
وبجانب ذلك أيضًا فإن الاتفاق يغلق فصولاً طويلة من الجهود الفاشلة لتخطي الانقسام بين أقوى فصيلين سياسيين في فلسطين، كما ينهي الخلاف على رئاسة الحكومة المؤقتة ومداولات إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وأزمة المعتقلين وحرية العمل السياسي وغيرها من القضايا الخلافية، وهو ما أصاب إسرائيل بهزة ظهرت واضحة في تذبذب مواقفها، فخلافًا للموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية، صرح قائد فرقة غزة في الجيش الإسرائيلي «ميكي أدلشتاين»، في حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلي مساء يوم 5/5/2014 بأن: «المصالحة بين حماس وفتح ستكون جيدة لإسرائيل، ويمكن مباركتها في حال عززت الأمن الإسرائيلي، وجعلت الواقع الفلسطيني أفضل».
وأيد وجهة النظر تلك «أيدو زيلكوفيتش» من المؤسسة الفكرية المختصة بالسياسة الخارجية الإسرائيلية «ميتفيم»؛ حيث أكد أنه: «سيكون من الخطأ تحديد موعد نهائي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي تضطر معه إلى الاختيار بين المفاوضات مع إسرائيل أو التقارب مع حماس، فالاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني يمكن أن يصب في صالح إسرائيل، وإذا تم التوصل إلى المصالحة بالفعل، فإن أي عملية سياسية بقيادة عباس مع إسرائيل ستكون ملزمة لحماس أيضًا».
وفي الإطار نفسه أشار موقع «فيترانس توداي» الأمريكي في تقرير له يوم 5/5/2014 إلى صعوبة إتمام أي سلام مع نصف الشعب الفلسطيني فيما النصف الآخر يستعد للحرب، لذا فإن المصالحة الفلسطينية تأتي لصالح إسرائيل، وعلى «حماس» الآن أن تلتزم بدعم الاتفاق بين الحكومة الفلسطينية والإسرائيلية، بالإضافة إلى اعترافها بدولة إسرائيل والتوقف عن كل أنشطتها واحترام الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية، ولفت الموقع إلى أنه قبل اتفاقية «أوسلو» صنفت إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية على أنها إرهابية، ما يعني أن انضمام حماس إلى الحكومة الجديدة سيجعل إسرائيل ترفع عنها وصف الإرهابية.
مقابل ذلك، يرى مراقبون أنه لا تأثير للمصالحة الفلسطينية على عملية السلام في ظل رفض عباس الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، فضلاً عن عدم اعتراف حماس في الأساس بإسرائيل كدولة، فالمحصلة النهائية واحدة حتى وإن تخلت حماس عن هدفها الذي طالما تمسكت به وهو عدم الاعتراف بإسرائيل ورحبت بحل الدولتين، بيد أن ذلك أمر بعيد المنال.
لكن الأهم من هذا وذاك هو أن توقيت الاتفاق جاء ليكون تذكيرًا مفيدًا لكل الضالعين في أي مفاوضات سلام مقبلة بأن غزة يجب أن تكون حاضرة ودورها رئيسي في أي اتفاق سلام مستقبلي.
ورغم هذه الحقيقة فإن الرابح الأكبر إذا تمت المصالحة هو الشعب الفلسطيني الذي عانى ويلات الانقسام وآثاره السياسية والاقتصادية والأمنية لسبعة أعوام، ومن أجل محافظة الحركتين على هذا فإن ما يحتاج إليه تفعيل الاتفاق هو إرادة فعلية لتغليبه وتطبيقه بشكل سريع وفعلي وعدم ترك المجال مفتوحًا أمام التفاصيل الصغيرة لتقوض التفاهمات.








aak_news