الرئيسية الرجوع
(العودة للعدد الأخير)

مقالات

صفحة في ملف التآمر على البحرين (2) خفايا وأبعاد التواطؤ الأمريكي مع إيران
أدلة وشهادات تفضح مخططات إيران وتواطؤ أمريكا

بقلم: السيد زهره


تحدثت في المقال السابق عن تستر أمريكا على تدخلات إيران في البحرين والدور الإجرامي الذي تلعبه، وايضا تسترها على علاقات القوى الطائفية في البحرين بايران، وأوضحت مظاهر هذا التستر.
قبل ان نتطرق في النهاية لشرح اسباب هذا الموقف الأمريكي، لا بد ان نتوقف عند جانب مهم:
لماذا يعتبر هذا الموقف الأمريكي مشبوها ويعكس تواطؤا فعليا من جانب أمريكا مع ايران؟
هناك أسباب كثيرة تؤكد ذلك.
وهناك شهادات كثيرة من مصادر امريكية تفضح هذا التواطؤ الأمريكي وتفضح إيران ودورها في البحرين. هذه الشهادات هي لمحللين وباحثين امريكيين، ولمصادر مخابرات امريكية، ولمسئولين أمريكيين.
سنتوقف بقدر من التفصيل امام هذا الجانب المهم.
***
لماذا البحرين وحدها؟

هناك على الأقل خمسة اسباب وعوامل كبرى تجعل من الموقف الأمريكي سواء الموقف الرسمي أو موقف بعض الباحثين والمحللين والمنظمات الأمريكية، موقفا مشبوها يرقى إلى مستوى التواطؤ مع ايران، وتؤكد انه لا يوجد اساسا أي مبرر او سبب مقبول يبرر هذا الموقف.
هذه الأسباب هي على النحو التالي:
السبب الأول:
أن اجهزة المخابرات الأمريكية تراقب وترصد كل انشطة إيران وما تقوم به في المنطقة والعالم كله، ولديها المعلومات التفصيلية بهذا الخصوص
أجهزة المخابرات الأمريكية لديها كل المعلومات وبأدق التفاصيل عن تدخلات إيران في كل دول المنطقة العربية، بل وفي العالم كله وعن الأنشطة الارهابية التي تقوم بها هي والجماعات العميلة لها.
وسبق أن اعلنت الأجهزة الأمريكية بالفعل تفاصيل كثيرة عن هذه التدخلات والأدوار الإرهابية في المنطقة والعالم.
سبق أن اعلنوا مثلا تفاصيل ما تفعله إيران في العراق، وتفاصيل تدخلاتها وتحالفاتها مع الجماعات والقوى الطائفية وتفاصيل تواجد إيران في العراق ودورها الارهابي.
وسبق أن اعلنوا مثلا تفاصيل ما تفعله إيران في اليمن، وتفاصيل دعمها للحوثيين وقوى يمنية اخرى بالمال والسلاح، ومخططات إيران لاثارة الصراع الطائفي.
وبالطبع، لديهم كامل التفاصيل عما تفعله إيران هي والقوى العميلة لها في سوريا.
وسبق ايضا أن اعلنوا تفاصيل عن تدخلات إيران في أمريكا اللاتينية مثلا واماكن اخرى في العالم.
السؤال هنا هو: اذا كانت اجهزة المخابرات الأمريكية ترصد كل ما تفعله إيران على هذا النحو وتملك تفاصيل ذلك في المنطقة والعالم، فلماذا عندما يأتي الأمر إلى البحرين بالذات، يقولون انهم لا يملكون معلومات أو ادلة على التدخلات الايرانية؟.. هذا على الرغم من انهم يعلمون ان البحرين تمثل بالنسبة لايران جبهة متقدمة لتدخلاتها ولمشروعها في المنطقة.
سنرى لا حقا ان اجهزة المخابرات الأمريكية تملك معلومات تفصيلية عن تدخلات إيران في البحرين. ولهذا، مجرد انكار امتلاك أي ادلة هو في حد ذاته مثير للشبهات ويؤكد التواطؤ المتعمد.
السبب الثاني:
السوابق التاريخية المعروفة لتدخلات إيران والدور الاجرامي الذي لعبته في البحرين، والتي تعرفها أمريكا جيدا، ويعرفها كل الباحثين والمحللين الأمريكيين، ولا ينكرها احد منهم.
الكل يعلم تاريخ الأطماع الإيرانية في البحرين، وهي اطماع معلنة وموثقة.
والكل يعلم انه عبر العقود الماضية لم تتوقف إيران عن التآمر على البحرين، وقد وصل هذا التآمر إلى حد محاولة تدبير انقلابات للإطاحة بالحكم. وتفاصيل ذلك معروفة ايضا ولا ينكرها احد.
والكل يعلم ان لايران، وقبل الأحداث الأخيرة بسنين طويلة أتباعا وعملاء في البحرين.
اذا كان الأمر كذلك، فالمفروض انه حين يجري الحديث عن تدخلات إيران في البحرين وادوار اجرامية تلعبها الآن او منذ اندلاع الأحداث، ألا يثير هذا غرابة او شكوكا من احد من حيث المبدأ. والمفروض على ضوء هذا على الأقل عدم الاندفاع والجزم كما تفعل أمريكا بأنه لا يوجد أي دليل على التدخل الايراني.
***
تدخل علني وشبكات إرهاب

السبب الثالث:
المواقف والتصرفات الإيرانية الرسمية والمعلنة والتي يعرفها الجميع منذ أن بدأت الأحداث في البحرين وحتى اليوم.
هذه المواقف والتصرفات هي بحد ذاتها تدخل سافر في شئون البحرين يجب ان تكون مدانة من الجميع، ولا تترك أي مجال للشك في النوايا الايرانية الاجرامية، وتجعل من المنطقي تماما ان تسعى إيران للتدخل
الفعلي والقيام بأدوار تخريبية في البحرين.
ماذا يعني مثلا ان تخاطب إيران رسميا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والاقليمية وتطلب تدخلها في امور تتعلق بالبحرين وشئون بحرينية داخلية لا علاقة لإيران بها؟
وماذا يعني مثلا ان تطلب إيران وتلح على ادراج الأوضاع في البحرين في صلب محادثاتها النووية مع الغرب، او في محادثاتها المباشرة مع أمريكا؟
وماذا يعني ان تجند إيران كل اجهزة اعلامها على مدار الساعة من اجل التحريض على البحرين وتشويه الاوضاع فيها ودعم القوى الطائفية الانقلابية؟
ألا يعتبر كل هذا بحد ذاته تدخلا ايرانيا سافرا في شئون البحرين يستوجب الادانة من أمريكا او غيرها؟.. فلماذا تتجاهل أمريكا تماما ولا تأتي عليه بذكر؟
السبب الرابع:
أنه منذ اندلاع احداث 2011، اعلنت السلطات البحرينية اكتشاف شبكات ارهابية، واعلنت بالوقائع والأدلة ثبوت علاقة هذه الشبكات بإيران، تمويلا وتسليحا ايضا، ودور الحرس الثوري وحزب الله في هذا.
هذه الشبكات، والتي كان آخرها ما سمّي بـ«جيش الامام» جرى التحقيق فيها، وتم القبض على المتورطين فيها، ونظرتها محاكم البحرين، واصدرت فيها احكامها.
وبطبيعة الحال، لا بد ان السلطات الأمريكية على علم كامل بتفاصيل التحقيقات في هذه الشبكات وتفاصيل المعلومات التي تملكها سلطات البحرين والتي على اساسها حوكم وأدين المتورطون فيها. وهي معلومات معلنة على أي حال.
ألا يكفي هذا بحد ذاته دليلا كافيا يقنع الادارة الأمريكية بتدخل إيران ودورها التخريب الاجرامي في البحرين؟
ما معنى ان تتجاهل أمريكا هذا الجانب تماما ولا تعتبره دليلا كافيا، وتصر على انه لا يوجد أي دليل على تدخل ايراني؟
السبب الخامس:
اذا لم تكن كل الأسباب السابقة كافية، فان هناك سببا آخر يؤكد بشكل دامغ تعمد أمريكا التستر على تدخل إيران ودروها الاجرامي وتواطؤها معها.
نعني ان هذا الاصرار الأمريكي على انه لا توجد ادلة تؤكد تدخل ايران، يتناقض مع شهادات دامغة، من مصادر وجهات امريكية بالذات، وليست أي مصادر اخرى تشرح بالتفصيل التدخل الايراني والدور التخريبي لايران في البحرين.
تحديدا هذه الشهادات هي من ثلاثة مصادر كبرى مختلفة:
1 – شهادات باحثين ومحللين أمريكيين مرموقين تحدثوا في كتاباتهم تفصيلا عن تدخل إيران ودورها في البحرين.
2 – والأهم من هذا، شهادات لأجهزة ومصادر مخابرات امريكية فعلت نفس الشيء، ونشرتها مصادر امريكية.
3 – والأخطر من هذا وذاك، شهادات لعدد من كبار المسئولين الأمريكيين انفسهم تحدثوا صراحة عن هذا التدخل الايراني، قبل ان تقرر الادارة الامريكية التنكر لما قالوه وتقرر التستر على تدخل إيران ودورها.
ونظرا للأهمية البالغة التي تمثلها شهادات هذه المصادر الثلاثة في مناقشة القضية، فسوف نتوقف عندها بقدر من التفصيل.
***
شهادات باحثين ومحللين

منذ بداية الأحداث في البحرين في فبراير 2011، نشر كثير من الباحثين والمحللين الامريكيين تقارير وتحليلات تعرضت لجانب اساسي منها هو التدخل الايراني في البحرين، والدور التخريبي الذي تلعبه. كما تطرقت ايضا إلى حقيقة علاقات القوى الطائفية في البحرين بإيران، وارتباطها بالمشروع الايراني.
لا يتسع المجال إلا لتقديم نماذج لما قدمه باحثون ومحللون امريكيون في هذا الصدد.
على سبيل المثال، هاجاي كارمون، محلل سياسي ومحامي دولي، كتب في «هفتنجتون بوست» في 21 فبراير عام 2011، أي بعد اندلاع الأحداث في البحرين بأسبوع واحد، تحليلا يحذر فيه الولايات المتحدة مما تخطط له إيران في البحرين والدور التخريبي الذي تلعبه، وفي المنطقة عموما، وتأثير ذلك المدمر على المصالح الأمريكية.
كتب يقول: «ايران كانت لها دوما أجندة مستقلة تتعلق بالبحرين. والحديث الدائر عن تدخل إيران في الأحداث التي اندلعت في البحرين هذا الأسبوع ليس أمرا جديدا. في الصيف الماضي، اعتقلت الحكومة البحرينية 165 شيعيا واتهمتهم بتشكيل شبكة ارهابية تسعى لإسقاط النظام بدعم خارجي. ولم تكن هذه حادثة منفصلة. في عام 1981، وبعد عامين فقط من اندلاع الثورة الاسلامية، كانت هناك محاولات شيعية لإسقاط النظام في البحرين. وفي عام 1995، كانت هناك اضطرابات شيعية في البحرين. وفي الحالتين، كانت إيران وراء ذلك. وفي عام 1996، تم ترحيل دبلوماسي ايراني من البحرين له اتصالات مع الحرس الثوري بسبب أنشطة لا علاقة لها بالدبلوماسية، وظهر ستة افراد على تلفزيون البحرين اعترفوا بأنهم تلقوا تدريبات من حزب الله في لبنان، وتلقوا اوامر من ضابط مخابرات ايراني».
ويواصل هذا المحلل قائلا: «هذا النمط من التدخل الايراني تكرر في 2005، عندما تظاهر شيعة في البحرين تأييدا للمرشد الايراني. وفي 2008، اتخذت المظاهرات في البحرين منحى جديدا حين طالب المتظاهرون بازالة القاعدة الأمريكية في البحرين... ومرة بعد اخرى، يتأكد وجود بصمات لحزب الله، المنظمة الارهابية التابعة لإيران فيما يحدث في البحرين».
كما نرى، هذا الباحث قدم إلى الإدارة الأمريكية مبكرا القرائن والشواهد التي تؤكد تورط إيران وعملائها في المنطقة في البحرين ونواياها الإجرامية تجاهها.
وهو يفعل ذلك كي يحذر أمريكا من خطورة ما تفعله إيران على المصالح الأمريكية.
كتب بهذا الشأن يقول: «اذا تمكنت إيران من تنفيذ مخططاتها في البحرين، فسوف ينتهي الوجود الأمريكي، وسوف تتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة كلها».
***
معارضة تابعة لإيران

باحث امريكي آخر تطرق إلى القضية من زاوية اخرى.. من زاوية تبعية المعارضة البحرينية لإيران ايديولوجيا وسياسيا.
الباحث هو إد حسين، وهو من كبار الباحثين في «مجلس الشئون الخارجية» الأمريكي الشهير.
تطرق إلى القضية في حوار مطول اجري معه، ونشر في 27 إبريل 2012، في اعقاب عودته من زيارة قام بها إلى البحرين والسعودية، والتقى بالكثيرين من مختلف الأوساط.
قال: «انا لا أقول ان طهران تسيطر على مجريات الأحداث في البحرين. لكن علينا ان نسمع من عيسى قاسم ما يفيد بأنه ليس مرتبطا بايران، ونسمع منه ادانة لنظام ولاية الفقيه في ايران... ما الذي يمنعه من ادانة ايران؟». وأضاف: «لهذا، عندما تقول السعودية ويقول الكثيرون في البحرين ان حركة المعارضة في البحرين هي اساسا نسخة من حزب الله من زاوية ارتباطاتها الإيديولوجية بايران، يجب ان نأخذ هذا بجدية تامة».
ويواصل حديثه عن هذا الجانب قائلا: «عيسى قاسم له سجل طويل في الدفاع عن ولاية الفقيه والنظام الايراني، وحزب الله، وفي الهجوم على الغرب والديمقراطية الغربية.. وعندما التقيت بالشيخ علي سلمان، الأمين العام للوفاق، وواجهته بحقيقة ما يريدون، وما يتعلق بولاية الفقيه، لم يستطع ان يقدم لي اجابة تقول: نحن ندين النوايا الايرانية في المنطقة وعدائها للولايات المتحدة».
ثم يتوجه هذا الباحث إلى الادارة الأمريكية والغرب، ويقول: «يجب ان نسأل انفسنا هذا السؤال: اذا سقط حكم آل خليفة في البحرين، ما هو الهدف النهائي للمحرضين على ذلك في المعارضة؟.. هل الغرب، والولايات المتحدة خصوصا، سيكونون سعداء برؤية النفوذ الإيراني يمتد إلى بلد عربي آخر كما هو الحال في لبنان سوريا والعراق؟.. هل نريد حقا تسليم البحرين للنفوذ الايراني؟.. هذا هو جوهر القضية في البحرين».
إذن، ما يقوله هذا الباحث الكبير واضح ومحدد.. المعارضة في البحرين مرتبطة ايديولوجيا وسياسيا بايران مثلها مثل حزب الله.. ومخطط إيران ان تمد نفوذها إلى البحرين.. والإدارة الأمريكية ترتكب خطأ فادها اذا هي تجاهلت هذه الحقائق او صمتت عنها.
محلل امريكي آخر، هو مايكل روبين، كتب في 27 مارس 2012 يقول: «.. صحيح انه لا يوجد دليل على ان الحكومة الايرانية تدعم المعارضة البحرينية بالسلاح مباشرة، لكن قادة الشيعة في البحرين عندما يتم الإلحاح عليهم، يعترفون بأنهم يتلقون اموالا من خلال مكاتب عدة لآيات الله».
ويقول: «ان خامنئي عندما ينكر أي تورط ايراني مباشر في البحرين، يتجاهل ان مكتبه متورط في البحرين، حتى لو لم يكن ذلك يتم من خلال تدخل مباشر من اجهزة رسمية ايرانية. ان خامنئي وعملاءه يختطفون انتفاضة البحرين».
***
إذن، هذه كما قلت مجرد نماذج لشهادات قدمها باحثون ومحللون أمريكيون. وللعلم، هناك الكثير جدا من مثل هذه الشهادات لا يتسع المجال لعرضها.
وكما رأينا، هؤلاء الباحثون والمحللون في شهاداتهم فضحوا مخططات إيران وتدخلاتها في البحرين، وارتباط المعارضة في البحرين وايران، وانتقدوا تجاهل أمريكا لكل هذا وحذروا الادارة من مخاطر ذلك.
في المقال القادم بإذن الله سنقدم شهادات أخرى أهم من هذه.