الرئيسية الرجوع
(العودة للعدد الأخير)

يوميات سياسية

هذا الاتفاق الكارثة

السيد زهره


الاتفاق الذي توصلت إليه امريكا وروسيا حول الأسلحة الكيميائية في سوريا هو كارثة بكل معنى الكلمة. هو كارثة سواء بالنسبة للشعب السوري أو بالنسبة للدول العربية بصفة عامة. والموقف الصائب هو ان ترفض الدول العربية هذا الاتفاق. وسأشرح حالا أسباب ذلك. أما بالنسبة للشعب السوري، فالأمر هو كما قال الكثيرون بالفعل ان هذا الاتفاق يمثل تواطؤا على شعب سوريا، ويمثل تجاهلا فظا لجراحه النازفة، وللجرائم التي ترتكب في حقه بلا توقف. الاتفاق اختزل مأساة سوريا ومأساة الشعب السوري في قضية السلاح الكيميائي فقط وجريمة استخدامه، ولم يتطرق لا من قريب و لا من بعيد الى الجرائم التي ترتكب بحق الشعب، والى عمليات القتل والذبح التي يتعرض لها يوميا بالطائرات والدبابات والصواريخ. وفي ظل هذا الاتفاق، لن يكون هناك حديث يتعلق بسوريا من الآن فصاعدا الا عن السلاح الكيميائي.. من الآن فصاعدا سينشغل العالم بهذه القضية فقط، أما محنة الشعب السوري وما يتعرض له من قتل وتدمير، ومصير سوريا كله، فهذه قضايا مؤجلة إلى ما شاء الله. هذا عن الشعب السوري. اما عن مغزى هذا الاتفاق وما يعنيه بالنسبة للدول العربية، فإن توقيعه ينطوي على جوانب في غاية الخطورة تغيب عن بال الكثيرين في غمرة الحديث عن الأوضاع في سوريا فقط. قبل كل شيء، لا بد ان نطرح التساؤل: من الذي أعطى لأمريكا وروسيا الحق في ان تقررا هما فقط في غرفة مغلقة مصير بلد كسوريا في أمر كهذا؟ حين هددت امريكا بشن ضربات عسكرية ضد سوريا، قلنا ان امريكا ليس لها أي حق قانوني أو سياسي أو أخلاقي لأن تقرر هي منفردة شن عدوان كهذا. واليوم، نقول أيضا انه ليس لدى امريكا وروسيا أي حق قانوني أو سياسي أو أخلاقي لأن يقررا هما وحدهما في شأن كهذا. لنلاحظ هنا ان امريكا وروسيا حين اتفقا حول مسألة الأسلحة الكيميائية السورية، لم يقولا انهما طرحا مبادرة أو قدما اقتراحا مشتركا، وانما قالا انهما عقدا اتفاقا. وتم تصوير الأمر كما لو ان هذا الاتفاق هو اتفاق ملزم للجميع لمجرد انهما اتفقا على بنوده. امريكا وروسيا أعطيا لنفسيهما حقا ليس لهما، وفرضا بارادتهما فقط وصاية ليس لها أي سند من قانون دولي. إذا كان هناك اتفاق عام على ان الأسلحة الكيميائية السورية يجب تدميرها أو يجب ضمان عدم استخدامها ضد الشعب مثلما حدث، فالأمر المنطقي والقانوني هو ان يتم هذا في إطار دولي يرتضيه المجتمع الدولي، أي في إطار الأمم المتحدة لا في أي إطار آخر. وينبغي الا يغيب عن البال الحقيقة البديهية ان سوريا بلد عربي، وقضيتها قضية عربية بالأساس. طبعا، التطورات المأساوية للأوضاع في سوريا أصبحت من جوانب عدة شأنا إقليما وعالميا يهم العالم كله، لكن هذا لا ينفي ان القضية عربية بالأساس. نقول هذا، لأن من أخطر ما ارتبط بهذا الاتفاق التجاهل التام لكل الدول العربية في كل ما يتعلق به، سواء فرادى أو بشكل جماعي ممثلة في جامعة الدول العربية. هذا الاتفاق تم الترتيب له والتوصل إليه سرا بين امريكا وروسيا في غرف مغلقة من دون أي اهتمام بأخذ رأي أو إشراك أي دولة عربية، ولسنا نعرف ما هي بالضبط الجوانب الأخرى للاتفاق أو التفاهمات الأخرى بين امريكا وروسيا والتي على أساسها تم عقد هذه الصفقة؟ هذا التجاهل التام للعالم العربي لا ينطوي فقط على احتقار للدول العربية ولإرادتها، وانما ينطوي على ما هو اخطر من هذا. عقد الاتفاق بهذا الشكل وتصويره على انه اتفاق ملزم للجميع يراد به تكريس لمبدأ جوهره ان من حق امريكا وروسيا ان تقررا هما وحدهما في شأن عربي، وان تفرضا ما تقرراه على الجميع بعد ذلك. لهذا، يمثل عقد الاتفاق بهذا الشكل سابقة في منتهى الخطورة في تعامل القوى الكبرى مع الدول العربية والقضايا العربية. إذا مر هذا الاتفاق من دون أي تحفظات عربية عليه وعلى طريقة عقده من وراء ظهر العرب في شأن عربي، فسيكون معنى هذا ان هذا النهج من الممكن ان يتكرر في أي أزمة عربية قادمة. لا ينبغي ان نفاجأ حينئذ في أي أزمة داخلية في أي بلد عربي بأن امريكا وروسيا اجتمعتا وقررتا بشأن هذه الأزمة وطالبتا بالرضوخ لهذا الاتفاق. على ضوء هذا كله، يجب ان يكون هذا الاتفاق محل انتقاد علني من الدول العربية ومن الجامعة العربية، وبالأخص من زاوية انه لا حق مبدئيا في ان تقرر امريكا وروسيا منفردتين في أي شأن عربي. هذا إذا كنا نريد ان نحفظ لدولنا احتراما وسيادة ونجنبها مخاطر تواطؤ وتآمر دولي على حسابنا.