العدد : ١٢٩٥٩ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٣ م، الموافق ٩ ذو القعدة ١٤٣٤ هـ

العدد : ١٢٩٥٩ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٣ م، الموافق ٩ ذو القعدة ١٤٣٤ هـ

أخبار البحرين

في تقرير لـ «بنا» حول الزيارة التاريخية لجلالة الملك للصين:
الزيارة تعكس رؤية القيادة لتنويع شبكة العلاقات الخارجية



لم يعد ترفاً الاتجاه شرقا، ولا سيما إلى الصين، ذلك القطب الصاعد إلى مصاف الدول العظمى، فالغرب نفسه وعلى رأسه كبريات دوله الصناعية يتجه إلى هناك أملا في أن يطاله قدر ولو محدود من المكاسب التي حققتها وتحققها دول آسيوية باتت تُعرف عالميا بأصحاب الثروة الجدد.. وتأتي زيارة حضرة صاحب الجلالة عاهل البلاد المفدى للصين لتصب في هذا الاتجاه، الذي بدا فيه العالم وكأنه يدرك أن كفة الميزان بدأت تميل لصالح الشرق وعلى حساب القوى التقليدية المعروفة، وذلك على خلفية التحولات الكبرى التي تشهدها بنية النظام الدولي ودخول أقطاب جدد في الصراع على زعامته وقمة هيكله، وخاصة من الناحية الاقتصادية.وتبدو أهمية الزيارة السامية التي تجيء وسط تحركات مكثفة للدبلوماسية البحرينية، من كونها الأولى من نوعها التي يقوم بها العاهل المفدى إلى الصين، وإثر عدة زيارات قام بها جلالته قبل عدة أشهر إلى دول عديدة منها تايلاند وكذلك سمو ولي عهده إلى كل من اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما على التوالي، ولأن الزيارة المنتظرة تأتي عقب استقبال المملكة واستضافتها لعدد من كبار المسئولين في دول آسيوية على رأسهم رئيسا وزراء كل من اليابان وكوريا الجنوبية، الأمر الذي يعكس رؤية القيادة الرشيدة لتنويع شبكة علاقات البلاد وتمتين تحالفاتها بالعالم الخارجي، وخاصة مع أقطاب الدول النامية، والآسيوية منها تحديدا التي ترتبط بعلاقات تاريخية قديمة بالخليج.
ولا يخفى هنا أن الهدف الأكبر من جملة التحركات الدبلوماسية الواسعة، ومنها الزيارة التي يقوم بها العاهل المفدى إلى العاصمة الصينية بكين، هو توسيع آفاق التعاون البحريني مع أقطاب العالم الجدد في آسيا، الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وغيرها من الاقتصادات الناشئة، وتعظيم الاستفادة من تجاربها التنموية واستخلاص النتائج والدروس الإيجابية التي حققتها على صعيد التقدم الاقتصادي، ولا سيما مع المؤشرات التي تؤكد أن تلك الدول الصاعدة بصدد أن تقود النظام العالمي في الفترة القادمة، على الأقل من ناحية النمو والتقدم الاقتصاديين.
وفي هذا الشأن يُشار إلى أنه وبحسب تقديرات لمؤسسات ومراكز بحوث اقتصادية كبرى، فإن دولا آسيوية باتت تكتسب كل يوم أرضا ونفوذا جديدين على صعيد الهيكل التجاري والصناعي والمالي العالمي، وقد أشار البنك الدولي تحديدا إلى أن تلك البلدان تمثل اليوم محركا ومحفزا للنمو الاقتصادي العالمي (وبما يمثل 40% عام 2012) وذلك إثر انتقال النشاط الصناعي ذي الوفورات الإنتاجية الكبيرة إليها، وزيادة الإنفاق الواسع على بناها التحتية، فضلا عن نمو حجم الطبقة الوسطى بشكل هائل فيها، ومن ثم زيادة معدلات استهلاكهم ومستوى رفاهيتهم المعيشية.
كما أبرزت التقديرات أن غالبية دول آسيا الصاعدة حققت معدلات نمو لم تتحقق في الاقتصادات الصناعية الكبرى الغربية وبمعدل يزيد على أي منطقة أخرى من مناطق العالم، حتى أنه وصل في الصين وحدها إلى نحو 7,6% خلال الربع الثاني من العام الجاري، والتي توصف الآن بأنها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث استهلاك النفط بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ما يؤشر إلى التقدم المضطرد الحاصل فيها حاليا.
ومن الطبيعي وعلى خلفية مؤشرات النمو المتصاعد هذه في القارة الآسيوية، وفي ضوء الرؤية الاقتصادية المتطورة للبحرين 2030 التي تقوم على تنويع مصادر الدخل القومي والتحول إلى صناعات القيمة المضافة وجذب مزيد من التدفقات الاستثمارية، من الطبيعي أن تسعى المملكة بكل ما أوتيت من قوة وجهد لتطوير علاقاتها بأقطاب عالم اليوم في النمو.
وواقع الأمر أنه لم يغب عن بال القيادة الرشيدة في تحركاتها الدبلوماسية ومساعيها الاقتصادية ومشروعاتها التنموية حقيقة أن الصين حاليا تتزعم محور الاقتصادات الناشئة، حيث تشير الأرقام إلى أنها تعد أكبر مصدر للسلع المصنعة في العالم بنسبة 43% متفوقة على الولايات المتحدة التي تحظى بنسبة 20% فقط، كما أن اقتصادها يوصف الآن بأنه ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحصة 7,3% ويعد الأكبر في اقتصادات آسيا متفوقا على اليابان نفسها..
كما أن الصين تعد الأولى في الوقت الراهن القادرة على الإنتاج ذي الحجم الكبير، صحيح أنه الأقل ـ قياسا بالغرب ـ من الناحية المهارية والفنية، ولا سيما في بعض مجالات الإنتاج ذات التقنية العالية، لكنها ورغم ذلك يُنسب إليها الفضل في تنمية عمليات الابتكار التكنولوجي في الغرب نفسه حسب تقارير، وصاحبة السبق في استيعاب احتياجات كبريات الشركات العالمية المعروفة في مجال الاتصالات والإلكترونيات.
وأمام ازدهار وبزوغ التجربة الآسيوية عامة والصينية بشكل خاص، فإنه لا يمكن في ضوء هذا التفوق، ألا يُفعَّل التعاون البحريني مع دول القارة هناك، ولا سيما الصين، وذلك بالنظر إلى عدة أمور علي رأسها السعي البحريني لتكون مركزا للنمو الإقليمي في منطقة الخليج، وهي الرؤية السامية التي يقودها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد وبدعم من صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وذلك لكي تنال البحرين المكانة المرجوة التي تستحقها.
وقد استهدف هذا السعي الحثيث من المملكة التنويع الاقتصادي وتنمية قطاعاتها غير النفطية واستقطاب صناعات بعينها برعت وتقدمت فيها الصين وبإمكانها تزويد المملكة بالخبرة والمساعدة الفنية اللازمة فيها، ومن هذه الصناعات صناعات المعرفة والصناعات الخدمية فضلا عن التحويلية وخاصة الغذائية منها، والمعروف هنا أن الصين تفوقت على اليابان في براءات الاختراع عام 2010، وزاد عدد العاملين لديها في صناعة الإلكترونيات والحواسيب أربع مرات خلال العقد الماضي وحده.
ولا شك أنه مع التوجه البحريني القائم لتنمية قطاعاتها غير النفطية وتنويع مصادر مداخليها وجذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا العالية وصناعة الخدمات، فضلا عن رفع المستوى التعليمي لدى أبنائها وبناء مهاراتهم وغير ذلك، فإنه يتوقع في غضون سنوات قليلة ومع تعزيز أطر التعاون مع الصين أن تصبح المملكة مركزا إقليميا وعالميا للأعمال على غرار دول قريبة منها.
كما أن الزيارة تلقي الضوء علي التعاون المتكافئ بين البحرين والخليج عامة من جانب والصين من جانب آخر، وهو تعاون تاريخي قديم وتدعمه الأرقام والبيانات، ولا يعتمد المنافسة وإنما التكامل، وقائم على الاعتماد المتبادل وليس بمنطق تفوق طرف على حساب آخر، ولا سيما أن البحرين تعد بوابة الصين للخليج ككل، كما تعد بكين بوابة الشرق الآسيوي برمته ومرشحة لتكون إحدى القوى العظمى في المستقبل القريب.
وتبرز هنا حقيقة التطور المتسارع في التجارة البينية الخليجية ـ الصينية والتي بلغت نحو 70 مليار دولار عام 2008 (42 مليار للصادرات الخليجية و28 للواردات الصينية)، كما يبرز حجم الاهتمام الصيني بالخليج مع توقيع العديد من اتفاقات الاستثمار والتعاون المشترك ومع زيادة الاستثمارات المشتركة بما يقدر بـ 50 مليار دولار.
وفي الحقيقة أن هذا المستوى من التعاون والاتفاق المشترك حول السبل المناسبة لتدعيمه كفل لكلا الطرفين، الخليجي والآسيوي عامة والبحريني والصيني خاصة، فرصا متساوية من النجاح والاستفادة القصوى من الشراكة بينهما، حيث تلبي دول الخليج العربية احتياجات الصين من الطاقة (43% من طاقة دول آسيا يتم استيرادها من دول مجلس التعاون الخليجي، وصلت عام 2008 إلى 55%، ويتوقع أن تصل إلى 65% عام 2015)، وتلبي الصين في مقابل ذلك نحو 12% من إجمالي واردات دول الخليج العربية واحتياجاتها الرئيسية من السلع والمنتجات المصنعة والمعدات وآلات النقل، التي تمثل وحدها 77% من إجمالي واردات الخليج.
كما تدل على ثبات ورسوخ عمليات التعاون البحريني الصيني، والذي يرجع إلى عقود مضت، ويشمل العديد من المجالات بل ويوصف بأنه طويل الأمد سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، ومن الطبيعي في ضوء رغبة البلدين في دعم ملف التعاون الثنائي ومساعي قيادتهما لتطوير أطر هذا التعاون، من الطبيعي أن تنمو علاقات البلدين بوتيرة أكبر مما هو متوقع، ولعل زيارة العاهل المفدى لبكين تأتي تكريسا لهذا المعنى للبحث في السبل الكفيلة بتعزيز العلاقات وإزالة العقبات التي يمكن أن تعترض تطورها.
ويعول الجانبان البحريني والصيني على هذه الزيارة المرتقبة، وربما يرجع ذلك إلى عدة عوامل منها مواقف البلدين المشتركة والداعمة لبعضهما، فضلا عن مساعيهما الثابتة للحفاظ على السلم والاستقرارين الإقليمي والدولي، وهي المواقف التي تبدت في الكثير من الأزمات والملفات وبحاجة دائما إلى التنسيق والتشاور حولها، ومنها السلام في الشرق الأوسط والملفان السوري والإيراني وقضية الانتشار النووي وغيرها، ولعل موقف الصين الداعم للبحرين إبان أحداث عام 2011 ومساعيها لتعزيز الحوار الوطني دليل واضح على هذا المعنى.
بالإضافة إلى تاريخ التعاون المشترك البحريني الصيني، والذي يرجع كما أُشير سلفا إلى عقود مضت، وليس فقط منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء قبل نحو 20 عاما، حيث يلاحظ أنه في تصاعد مضطرد مع الزيارات المتبادلة لمسئولي البلدين، وكانت أبرزها زيارة صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء الموقر 2002 و2008 وزيارة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة رئيسة المجلس الأعلى للمرأة عام 2003 وغيرها، ولا يقتصر فحسب على العلاقات التجارية أو السياسية، إنما يشمل المجالات كافة، حيث وقع البلدان نحو 22 اتفاقية تعاون ومذكرات تفاهم وأُنشئت لجنة للتعاون المشترك وجمعية للصداقة وغير ذلك الكثير.
إلى جانب فرص التعاون المستقبلي بين البلدين والتي يدعمها عاملان، أحدهما يتعلق بالقاعدة الراسخة من التعاون المضطرد بين الجانبين، وخاصة في المجال الاقتصادي، حيث يبلغ حجم التجارة بينهما عام 2010 نحو 1,3 مليار دولار، وتعد الصين الشريك التجاري الثاني للمملكة بنسبة 11,6 من إجمالي واردتها، والسابع بالنسبة لصادراتها، وهناك نحو 11 شركة بها مساهمون صينيون ونحو 19 وكالة تجارية صينية و3 فروع لشركات صينية تعمل بالمملكة، وهناك شركتان متخصصتان في تقنية المعلومات اتخذت من البحرين مقرا لها وغير ذلك.
العامل الآخر يتعلق بخطط دعم مشروعات وبرامج التعاون المشترك في الأمد المنظور، وهي مشروعات تستهدف تمتين أطر التعاون الثنائي لتشمل مجالات إضافية أخرى بجانب السياسية والاقتصادية كالصحة والازدواج الضريبي والثقافة والمنح والتبادل الطلابي وغيرها، ولا شك أن هذه الخطط الطموحة سيتم تعزيزها مع زيارة العاهل المفدى للصين، حيث يمكن اعتبارها بداية لمرحلة جديدة من اللقاءات المستمرة بين مسئولي البلدين وستسهم في تقدم ونماء العلاقات الثنائية المشتركة.



aak_news