الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٩٢٩ - الجمعة ١٦ أغسطس ٢٠١٣ م، الموافق ٩ شوال ١٤٣٤ هـ
(العودة للعدد الأخير)

قضايا و آراء

هل فشل السياسيون الإسلاميون في تبني مشاريع سياسية رائدة؟!



قصية الإسلاميين السياسيين وارتباطهم بالسياسة والعمل السياسي المنظم ليست وليدة العصر بل تمتد إلى أزمة وحقب غابرة، ولربما يطول بنا المقام فيما لو استعرضناها مفصلة، ولكن قد نشير إليها بإطلالة سريعة.
ولعل مفهوم العمل السياسي الإسلامي بدأ بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا بالنمط الغربي المحض، وإلغائه المفاهيم السائدة في تلك الفترات في 3 مارس عام ،1924 إلى جانب توقفه عن العمل بتطبيق الشريعة الإسلامية، إلى جانب حملاته الكبرى لطمس الإسلام، وتصفيته للرموز الدينية، فتولد هناك ردات فعل بوجوب العمل سياسيا، للحفاظ على كيان الإسلام وإبراز نظرياته السياسية على أرض الواقع.
وقد يرى البعض أن حركات الإسلام السياسي هي حركة مضادة لظاهرة الأحزاب الليبرالية والوطنية والقومية واليسارية والشيوعية، والتي شاعت في البلدان العربية، والتي تتضمن رؤى سياسية في الحكم والسياسة والتشريع السياسي.
وكيف كان، فالمشروع السياسي الإسلامي له جذوره التاريخية، وله استقلاله، ويحمل مباني فكرية وتطبيقية توازي ما عليه الآن من مشاريع سياسية وطنية وقومية وليبرالية وغيرها، إذا ما قورن ببعض الاتجاهات السياسية الأخرى.
تيار الإخوان المسلمين بفكره وفلسفته السياسية، يعد الأبرز على وجه الساحة السياسية لما يسمى الإسلام السياسي، وإن كانت لا أحب استخدام هذا المصطلح نظير تركيبته الخاطئة أصلا، فكيف يكون الإسلام السياسي ؟ فهل يوجد إسلام آخر غير سياسي أو ثمة أنواع أخرى للإسلام؟! والصحيح الذي يجب أن يقال، وكنت استخدمه كثيرا هو السياسيون الإسلاميون، وهو كل سياسي إسلامي قد اشتغل بالسياسة ويندرج تحته المنظمات والأحزاب السياسية الإسلامية.
ولقد سجل السياسيون الإسلاميون ومازالوا حضورا قويا في الحياة السياسية في العالم العربي خلال الحقب السنوية المختلفة، رغبة في الوصول إلى أهدافهم ومطامعهم في المشاركة السياسية ورغبتهم كاستراتيجيات ورؤى وأفكار وفلسفة وقناعات في الوصول إلى فرص متاحة يستطيعون تنفيذ بعض مآربهم كتطبيق الشريعة الإسلامية وأسلمة القوانين، ومنع تداول الخمور ومنع البنوك الربوية، وتحريم الاختلاط، وفرض الحجاب، وشرعنة مناهج التربية والتعليم، ومنع الاختلاط بالجامعات، والدعوة إلى الجهاد المقدس، وغيرها من ضروب ما يسمى الإصلاح الديني، ومنع الفساد ومحاربة الرذيلة وتطبيق أبجديات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد نجح الإسلاميون السياسيون في الوصول إلى سدة الحكم للمرة الأولى في مصر، بعد ثورة الربيع العربي المصري وعبر انتخابات جماهيرية حرة ونزيهة، ولكن مع الرغبات الجماهيرية الساحقة التي عبرت عن رغبتها في التغيير إلى الأفضل وإلى الأحسن، وهذه هي الروح الديمقراطية، حدث ما حدث!! ولكن في ظل هذه التحولات السياسية والمنعطفات الكبيرة، ثمة أسئلة تطرح: هل فشلت مشاريع السياسيين الإسلاميين في الحكم والإدارة؟! وهل إزاحة مرسي بداية لفشل الإسلاميين؟! وهل الإخوان المسلمون لا يملكون أي مشروع سياسي نهضوي؟! وما مستقبل الإسلاميين السياسيين بعد نكستهم الأخيرة؟!
أسئلة كثيرة تناولتها الآراء السياسية بالتحليل والتعليق، وهنا عندنا ملاحظات في البحث لا بأس بإيرادها.
الملاحظة الأولى: إن فشل مرسي في إدارة الحكم أو السلبيات التي مورست من قبله وحالة التردي التي وصلت إليها البلاد في عهده يجب ألا تربط مع الاستراتيجيات الحزبية المحضة أو نضع اللوم على الإسلاميين بالعموم، أو على الإسلام بخصوصه، ويبقى الأمر في نطاقه الشخصاني المحض، أو في نطاق الفردية الخاصة، ولا ينبغي أن نحسب أخطاء الأفراد أو الغير على نطاق المجموعة الإسلامية أو عموم الفكر والاستراتيجيات.
الملاحظة الثانية: إن الإسلام ومازال يمتلك مشروعا سياسيا رائدا في الحكم والإدارة، بما يوفر سبل العيش الكريم الهانئ السعيد للأفراد والجماعات، وبما يختزله في جعبته من نظم وقوانين تكفل حقوق الإنسان وتؤطر لمنهجية حقة، في تحقيق العدالة والمساواة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية.
ولقد آمن الإسلام بالتعددية في الآراء والأخذ بالمبادئ الديمقراطية وبالشورى كمسلك حضاري راق في الحكم والإدارة.
ووفر الأرضية الملائمة لخلق حياة ودولة مدنية عصرية، تستقي من روح الإسلام الخالدة في التشريع والإدارة وتأخذ بالقوانين ما ينفعها ويضبط الحياة الدستورية لها.
لقد نجح الحكم الإسلامي إبان الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وقبل ذلك إبان صدر الإسلام في العهد النبوي الشريف، وفي تلك العهود كان وضع الأسس والمرتكزات لفلسفة الحكم الإسلامي.
فلو أخذنا مثالا الحكومة ونظام الحكم في عهد الإمام علي عليه السلام، كانت نظرته أن الخليفة أو الحاكم هو أحد أفراد الشعب، وهو يحمل مسئولية عظيمة أمام الله وأمام الشعب، ويحدثنا ابن عباس عن هذا الخليفة الراشد وهذا الإمام العظيم، إنه لقيه في الكوفة وهو يخصف نعله فقال له الإمام: يا ابن عباس ما قيمة هذه النعل؟! فقال: لا قيمة لها، فقال الإمام علي عليه السلام: إن هذه النعل أفضل من خلافتكم عندي، إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا.
وللإسلام أطروحات كبيرة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق وغيرها، بل حتى في الشئون العسكرية والدفاع وأساليب الحرب والسلم وغيرها.
واستعان الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخبرة الإمام علي وحنكته، حينما أراد قتال الفرس، فقال له الإمام: «فكن قطبا واستدر الرحا بالعرب وأصْلِهم دونك نارَ الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، وحتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما (بين) يديك».
ويضع الإسلام نظاما متكاملا للدولة المدنية العصرية ونظم التنظيم الإداري وشئون تصريف الأمور وغيرها، وتوفير الحياة الكريمة وتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية، وبناء العلاقات الداخلية داخل المجتمعات الإسلامية.
ولم يغفل الإسلام حتى جوانب التعيينات في الدولة، فأسس منظومات مختلفة لهذا الشأن، فتواجه مثلا الحاكم والأمير صعوبات بعد توليه زمام الأمور وبخاصة في مسائل التشكيلة الوزارية والتعيينات في المناصب المختلفة. هنا قد أعطى الإسلام إرشاداته في هذا الشأن بتولي الكفاءات المؤمنة القادرة على الإنجاز ووفقا لقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب.
ويرى الإسلام أهمية التواصل بين الحاكم والمحكوم وعدم انحجاب الحاكم عن الناس، وجلوسه لسماع شكاوى الناس والرعية والاستجابة لمطالبهم ورغباتهم.
ويتقبل الإسلام الأصوات المعارضة بصفتها حالة طبيعية بل هي ضرورية في المجتمع الإسلامي ولنا في الإمام علي عليه السلام القدوة في ذلك في المحاورة مع هؤلاء وبحث أسباب معارضتهم وبخاصة الخوارج.
الملاحظة الثالثة: إن المنظومة الفكرية والبنى النظرية والتطبيقية للمشاريع السياسية للإسلاميين تتوفق بكثير على ما عليه من أفكار ورؤى التيارات الليبرالية والعلمانية والقومية والشيوعية، وإذا ما كان ذلك فهي تساوي لربما من أوجه التيارات السائدة الآن، فلم لا يحكم على هذه التيارات مثلا بالفشل؟!، بينما يُرمى الإسلاميون بتهمة الفشل في أي لحظة؟!
الملاحظة الرابعة: فإنه في خضم الأحداث المتلاحقة الآن فإنه مطلوب من القوى الإسلامية تبني استراتيجية أكثر ديناميكية مما عليه الآن، من حيث وضع أطر أكثر مدنية في موضوع الرؤية الإسلامية للحكم والدولة ومد الصلات مع الجبهات السياسية الأخرى بما يعزز لمنظومة مصالحة وطنية كبرى للقوى والأحزاب، والذي تنعكس إيجابا على الجماهير العربية، بتحقق الإخاء والوحدة الوطنية.
الملاحظة الخامسة: إننا في بحثنا هذا لا نميل إلى جهة اتجاه جهة أخرى ولا نضع اللوم على طرف معين، إنما هي قراءة تحليلية حيادية مجردة للواقع السياسي المعاصر، من وحي متطلبات الواقع ورصد كيفية التعاطي السياسي للتوجهات السياسية المختلفة.
والخلاصة أنه لابد من مراجعة شاملة لأوجه الخطط والكيفيات والتوجهات للإسلاميين والتي خاضوها في المراحل السابقة للوقوف على الثغرات التي من الممكن الانطلاق بها نحو الأفضل، وإننا لعلى يقين بأن الإسلاميين سيتجاوزون هذه المرحلة بأبعاد وأفكار جديدة تؤطر لمرحلة جديدة، وفق منهجية متزنة.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.






نسخة للطباعة

Click here for digital edition
الصفحات المجزئة

الأعداد السابقة

Buy high quality China wholesale clothing, electronics products from Chinese Wholesalers on DHgate.com