العدد : ١٢٩٢٦ - الثلاثاء ١٣ أغسطس ٢٠١٣ م، الموافق ٦ شوال ١٤٣٤ هـ

العدد : ١٢٩٢٦ - الثلاثاء ١٣ أغسطس ٢٠١٣ م، الموافق ٦ شوال ١٤٣٤ هـ

رسائل

قراءة في كتاب عالم الاقتصاد الهندي «أمارتيا صن» الحائز جائزة نوبل حول:
«التنمية حرية».. اقتصاد الحريات والمجاعات

القاهرة: من وكالة الصحافة العربية - حازم خالد



مؤلف هذا الكتاب، هو «أمارتيا صن» عالم اقتصاد هندي، من مواليد بنجلاديش، يعمل أستاذًا بجامعة كيمبريدج ترينير كوليج، وزميل رئاسي للبنك الدولي عام 1996، حائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية .1998 أما مترجم هذا الكتاب فهو شوقي جلال من مواليد القاهرة عام 1931، مقرر لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة القاهرة، له ثلاثة عشر مؤلفًا، وله أكثر من ستين كتابًا مترجمًا.
في البداية، يقول المؤلف: يعاني كثيرون جدًا في مختلف أنحاء العالم من أنواع مختلفة من اقتصاد الحرية، المجاعات مستمرة الوقوع في أقاليم بذاتها، ومن مظاهر حرمان أخرى من الحرية نجد كثيرين جدًا في بلدان مختلفة في العالم حُرموا بشكل منظم من الحرية السياسية، ومن الحقوق المدنية الأساسية، وهناك من يزعم أن إنكار هذه الحقوق عليهم يساعد على حظر النمو الاقتصادي، وأنه «مفيد» من أجل تحقيق تنمية اقتصادية سريعة.
ويتحدث المؤلف عن العلاقة بين الأسواق والحريات، يمثل دور آلية السوق موضوعًا آخر يستلزم أن نستعيد بعض التراث القديم. إن علاقة آلية السوق بالحريات، ومن ثم بالتنمية الاقتصادية تثير تساؤلات تتعلق على الأقل بنمطين متمايزين تمامًا بحاجة إلى أن نميّز بينهما بوضوح، الأول أن إنكار فرص الصفقات عن طريق ضوابط تعسفية يمكن أن يكون مصدرًا لاقتصاد الحرية ذاتها.
أما الحجة الثانية الشائعة جدًا هذه الأيام، إن السوق تعمل على نحو نمطي لتوسيع نطاق الدخل والثروة والفرص الاقتصادية المتاحة للناس. هاتان الحجتان الداعمتان لآلية السوق وثيقتا الصلة بمنظور الحريات الموضوعية، ولذا يتعين إبرازهما مستقلتين. ويتحدث المؤلف عن مسألة الأولوية الكاملة للحقوق، بما في ذلك حقوق الملكية، حسبما وردت في أكثر الصيغ تدقيقًا للنظرية التحريرية. فيشير إلى نظرية «روبرت نوزيك» لما عرضها كتاب «الفوضى والدولة اليوتبيا»، تفيد أن «الصلاحيات التي توفرت للناس من خلال ممارسة تلك الحقوق لا يمكن بوجه عام ترجيحها؛ بسبب نتائجها - منها كانت النتائج نمطية - وثمة استثناء واحد يقول به «نوزيك» ويتعلق بما يسميه «مظاهر الذعر الأخلاقي الكارثية»، بيد أن هذا الاستثناء ليس مندمجًا مع بقية النهج الذي التزم به «نوزيك». إن الأولوية المطلقة للحقوق التحريرية يمكن أن تمثل إشكاليةً محددةً، حيث أن النتائج الفعلية المترتبة على تفعيل هذه الصلاحيات يمكن جدًا أن تتضمن نتائج مروعة. إذ يمكن أن تفضي بخاصة إلى انتهاك الحرية الموضوعية للأفراد في إنجاز أمور لديهم كل الحق في أن يولوها أهمية كبرى، بما في ذلك الإفلات من موت يمكن تجنبه أو أن يحظوا بتغذية وصحة جيدة، وأن تتوافر لهم قدرة على الثراء والكتاب والحساب.. إلخ إن أهمية هذه الحريات لا يمكن إغفالها على أسس الإيمان بفكرة «أولوية الحرية».


حرية العمل
ويرى المؤلف: أن تطوير الأسواق الحرة بعامة، والالتماس الحر للعمالة بخاصة، واقع يحظى بتقدير بالغ في الدراسات التاريخية. وها هو كارل ماركس، أعظم من انتقدوا الرأسمالية، يرى في ظهور حرية العمل مظهرًا لتقدم كبير جدًا. بيد أن هذه المسألة لا تهملا التاريخ فقط بل الحاضر أيضًا؛ نظرًا لأن الحرية مهمة بشكل حاسم الآن تحديدًا في كثير من أنحاء العالم. إن سوق العمل يمكن أن يكون عامل تحرير في سياقات كثيرة مختلفة، كما أن الحرية الأساسية للمعاملات يمكن أن تكون ذات أهمية محورية بغض النظر عما يمكن أو لا يمكن لآلية السوق أن تنجزه من حيث الدخل أو المنافع أو غير ذلك من نتائج.
وينتقل المؤلف إلى مشكلة الحكمة المالية التي أصبحت همًا رئيسًا في كل أنحاء العالم خلال العقود الأخيرة، والملاحظ أن المطالبة بالتزام النزعة المحافظة في الشئون المالية أضحت قويةً جدًا الآن بعد الآثار المدمرة للتضخم المفرط، وعدم الاستقرار التي حظيت الدارسة على أوسع نطاق.
إن بيت القصيدة للنزعة المحافظة المالية ليس تلك الميزة التي تبدو واضحةً في ظاهر الأمر أن «يعيش المرء في حدود قدراته» على الرغم مما في هذا الرأي من جاذبية بلاغية، ولكن وكما عبّر عن ذلك السيد ميكاير ببلاغة أيضًا في رواية دافيد كوبر فيلد للروائي شارلز ديكنز إذ قال: «الدخل السنوي عشرون جنيهًا، والإنفاق السنوي تسعة عشر فاصل ستة، النتيجة هي السعادة. الدخل السنوي عشرون جنيهًا، والإنفاق السنوي عشرون جنيهًا فاصل ستة، والحاصل بؤس».
وقد استخدم كثيرون من المحافظين المعنيين بالمالية هذه المماثلة بشأن القدرة على الإيفاء بالدين، ولعل مارجريت تاتشر كانت أكثرهم بلاغة، بيد أن هذه الحجة لا تهيئ لنا قاعدة واضحة لسياسة الدولة. إذ على عكس ما ذهب إليه السيد ميكاير تستطيع الدولة أن تستمر في الإنفاق أكثر من دخلها، وذلك عن طريق الاستدانة، وهذا ما تفعله في الحقيقة جميع البلدان.
إن القضية الحقيقية ليس ما إذا كان هذا يمكن أن يحدث على هذا النحو (ويمكن يقينًا أن يحدث) بل ما هي نتائج الإنفاق الزائد، لذلك فإن القضية الأساسية التي يتعين التصدي لها هي الأهمية المترتبة على ما يمكن أن نسميه أحيانًا «الاستقرار الاقتصادي الكلي أو الماكرو» خاصةً في حالة عدم وجود ضغط تضخمي خطير. ولكن ما هو دليلنا على الآثار الضارة للتضخم؟ يذكر ميشال برونوني دراسة مسحية مهمة عن التجارب الدولية في هذا المجال ما يلي: «إن العديد من الأحداث المسجلة عن التضخم المعتدل (20 - 40 - بالمائة ارتفاع الأسعار سنويًا) وأغلب حالات معدلات التضخم الأعلى (والتي يوجد منها عدد كبير) تشير إلى أن التضخم المرتفع يقترن بآثار نمو سلبية كبيرة. وعلى العكس فإن الشواهد المتجمعة تفيد بأن الاستقرار الحذر بعد تضخم مرتفع يقضي إلى نتائج نمو إيجابية على المدى القصير والمتوسط». الاستبداد يعوق التنمية
ويشير المؤلف إلى الحجج المناهضة للحريات السياسية والحقوق المدنية، فيذكر: إن معارضة الديمقراطيات والحريات المدنية والسياسية الأساسية، في البلدان النامية تأتي في اتجاهات ثلاثة. أولا: الزعم بأن هذه الحريات والحقوق تعيق النمو الاقتصادي والتنمية. ثانيًا هناك من دفع بأن الناس إذا ما أُعطيت لهم حرية الاختيار بين أن تتوفر لهم الحريات السياسية أو إيفاء الحاجات الاقتصادية، فإنهم جميعًا سيختارون الثانية. ثالثًا: كثيرًا ما يدفع البعض بأن التأكيد على الحرية السياسية والحريات الاجتماعية والديمقراطية إنما يمثل تحديد أولوية «غربية»، والذي يتعارض مع «القيم الآسيوية» التي من المفترض أنها رهن النظام والانضباط أكثر مما هي رهن الحرية، مثال ذلك أن الرقابة على الصحافة - كما يُقال - قد تكون مقبولةً أكثر داخل مجتمع آسيوي (نظرًا للتأكيد على النظام والانضباط) على عكس الحال في الغرب. فمثلًا في مؤتمر فيينا عام 1993 حذّر وزير خارجية سنغافورة من أن «الإقرار العالمي الشامل بأن حقوق الإنسان مثل أعلى يمكن أن يكون ضارًا إذا ما استخدمنا النزعة العالمية الشاملة لإنكار أو إخفاء حقيقة التنوع»، وأكثر من هذا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية سجّل عبارة يبدو وأنها سائدةً في الصين، وفي غيرها من بلدان آسيا، إذ قال: «يجب على الأفراد أن يولوا حقوق الدولة أولوية على حقوقهم هم».
وفي خاتمة الكتاب، يرى المؤلف: أن لظاهرة عدم المساواة دورًا مهمًا في تطور المجاعات وغيرها من الأزمات القاسية، حقًا إن غياب الديمقراطية هو في حد ذاته عدم مساواة. ولكن ما هو أكثر من ذلك أن المجاعات وغيرها من الأزمات إنما تنمو وتطرد على أساس تزايد عدم المساواة بصورة قاسية ومفاجئة أحيانًا. وهذا ما توضحه حقيقة أن المجاعات يمكن أن تحدث حتى مع عدم حدوث نقص كبير - أو أيِّ نقص- في مجمل المعروض من الغذاء بسبب أن بعض الجماعات يمكن أن تعاني من فقدان مفاجئ لقوة السوق (نتيجة بطالة مفاجئة وواسعة النطاق على سبيل المثال مع معاناة الجوع الناجم عن حالة اللا مساواة الجديدة).
الجدير بالاشارة أن كتاب «التنمية حرية» للكاتب أمارتيا صن؛ من ترجمة شوقي جلال. وصدر ضمن مطبوعات الهيئة المصرية العامة للكتاب.








aak_news