العدد : ١٢٩١٩ - الثلاثاء ٦ أغسطس ٢٠١٣ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٣٤ هـ

العدد : ١٢٩١٩ - الثلاثاء ٦ أغسطس ٢٠١٣ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٣٤ هـ

قضايا و آراء

أين المفـكر الـعربـي؟

بقلم: د. سالم نزال *





أين صوت المثقف العربي في خضم الهزات الكبيرة التي تعيشها الدول العربية منذ اندلاع شرارة ما أصبح يسمى «الربيع العربي»؟
أين صوت المفكر العربي ودوره في تعميق الوعي واستشراف المستقبل والتصدي لكل فكر متطرف هدام وتكريس قيم الاعتدال والانفتاح والتنوير والحداثة؟
أين المثقف العربي؟ متى يستفيق المفكر العربي من غيبوبته التي طالت اكثر من اللزوم؟
في خضم هذه التقلبات الجسيمة والهزات العنيفة التي تهب على العديد من الدول العربية، من المشرق إلى المغرب، أصبح السؤال يطرح بإلحاح عن دور المثقفين العرب في ظل ازدياد خطر تنامي الايديولوجيات الدينية المتطرفة التي باتت تتصدر الجانب الأكبر من المشهد السياسي العربي. فلا صوت يعلو اليوم فوق صوت المتطرفين الدينيين الذين باتوا يلعبون دورا هداما يهدد دولهم.
يعتقد الكثيرون أن تدهور وضع المثقف العربي يقلص قدرته على التأثير في الأحداث. في الحقيقة فقد بدأ دور المفكر العربي يتدهور حتى من قبل «الربيع العربي» بفترة طويلة بعد أن تكالبت عدة عوامل ضد المثقفين العرب وتدني هامش حرية التعبير ونشأة طبقة مثقفي السلطة بديلا عن مثقفي الوطن.
لقد عدّ الكثير من المحللين أن «الربيع العربي» قد تحقق في غياب دور المثقفين العرب. بعبارة أخرى لم يلعب المفكرون العرب أي دور فعلي يذكر وخاصة أن المفكرين العرب قد سبق لهم أن أسهموا كثيرا في الفعل الثقافي والفكري وتعبيد السبيل وإنارة العقود رغم القيود على حرية الفكر والتعبير. يرى أصحاب هذه الرؤية النابعة خاصة من التيارات اليسارية والتقدمية أن حركات الاسلام السياسي هي التي ركبت على انتفاضات الشعوب العربية والتي رفعت أساسا شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية والعمل، في غياب أي دور تنويري للمثقف العربي.
لقد لعب المفكرون العرب تاريخيا دورا رئيسيا في النهضة العربية ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين في وقت كانت فيه مختلف الدول العربية تتطلع للتقدم والحداثة. مع الأسف لم تثمر تلك النهضة أي نتائج ملموسة كبيرة على صعيد التغيير السياسي الحقيقي غير أنها ساهمت مساهمة فعالة لا يمكن إنكارها في الارتقاء بوعي الشعوب العربية وتنوير العقول والتصدي للكثير من القضايا الجوهرية التي تتعلق بالتقدم والحداثة والهوية الوطنية وتكريس الحرية والعدالة والنهوض بحقوق المرأة.
لطالما تصدرت السجالات والمناظرات الفكرية بين المثقفين العرب في تلك الفترة الذهبية صدر صفحات الصحف المصرية من خلال كتابات العديد من المفكرين الذين كانوا يعملون على تكريس التعددية الفكرية بهدف توسيع أفاق الفكر العربي بعد قرابة ألف سنة من الركود العربي.
لا يشك أحد أن واقع الاتصال والتواصل قد شهد طفرة هائلة في العصر الحديث وهو ما يتجلى اليوم في كل مناحي حياتنا. لقد أصبح من السهل نشر أي فكرة من الأفكار بفضل وسائل التواصل الحديثة. رغم ذلك لا تزال هناك حاجة في حياتنا لبلورة رؤية واضحة واستراتيجية فعالة من أجل رد الاعتبار للمثقف العربي حتى يستعيد دوره التاريخي الحقيقي في تنوير العقول في مواجهة تنامي نفوذ الاسلام السياسي والفكرالديني. لقد استفادت التيارات الفكرية الدينية من مشاعر إحباط الشعوب العربية وعذاباتها وإخفاقاتها وهي تسوّق نفسها اليوم على أنها تمثل المنقذ الحقيقي للشعوب العربية.
لاشك أن دور المثقف العربي بات اليوم أكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي. ففي خضم حرب الأفكار التي نشهدها أصبح يتعين على المثقفين العرب أن ينزلوا من أبراجهم العاجية ويخرجوا من القواقع التي تقوقعوا فيها كي يتصدروا الخطوط الأمامية في معركة الدفاع عن الدول العربية وثقافتها وهويتها والتي اصبحت اليوم مهددة اكثر من اي وقت مضى.
لا يمكن الحديث عن «ربيع عربي» دون الحديث عن «ربيع الثقافة العربية»، ولايمكن أيضا للربيع العربي ان ينجح إذا لم يترافق بتغييرات جوهرية في الثقافة العربية التي يطغى عليها الموروث الديني وأفكار ما قبل الحداثة.
إن مثل هذا التغيير الثقافي ضروري من أجل نجاح اي ربيع سياسي أو اجتماعي وهو ما لا نراه اليوم يتحقق على ارض الواقع ذلك ان التيارات الدينية المتطرفة هي التي تتنامى بسرعة وترهب الطبقة الفكرية المثقفة. إن أخشى ما أخشاه أن تسود لغة العنف في مجتمعاتنا بعيدا عن أي آفاق للتطور السياسي العقلاني الأمر الذي قد يحول الكثير من الدول العربية إلى افغانستان جديدة.
إن هذا الصراع الذي تشهده الدول العربية يتطلب الكثير من العمل المضني وخاصة على صعيد الارتقاء بوعي المجتمعات العربية. إنها معركة طويلة ومريرة قد تستغرق جيلا من الزمن وربما اكثر من ذلك بكثير. إنها معركة يجب أن يشارك فيها رجال الفكر والاعلام من أجل التصدي لتنامي الفكر الديني المتزمت.
×دكتور سالم نزال: مؤرخ نرويجي من أصل فلسطيني، مختص في شؤون الشرق الأوسط، وقد نشر له العديد من المقالات المتعلقة بالقضايا السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية.






aak_news