العدد : ١٢٨٩٥ - السبت ١٣ يوليو ٢٠١٣ م، الموافق ٤ رمضان ١٤٣٤ هـ

العدد : ١٢٨٩٥ - السبت ١٣ يوليو ٢٠١٣ م، الموافق ٤ رمضان ١٤٣٤ هـ

الاسلامي

الصيام في الحضارات والأديان الأخرى:
الصيام عند الصابئة المندائيين (أقدم الديانات الموحدة)

إعداد: مروة سلامة إبراهيم




لم تعرف الأديان عبر التاريخ شعيرة ألصق بالضمير الإنساني من شعيرة الصوم؛ لأن المقومات الذاتية لهذه الشعيرة قد جعلتها سرية، وإن أديت علنًا بصورة فردية، لأن الصوم ليس فعل شيء، بل ترك شيء أو أشياء، فكل الناس يستطيع أن يثبت أنك مفطر، ولكن لا أحد يستطيع أن يثبت أنك صائم.
يقول الدكتور عبدالحكيم الصادق الفيتوري في دراسته المهمة (الأديان... وفلسفة الصوم) المنشورة في موقع نقد معرفي: «ثمة تقاطع واضح بين كل الديانات السماوية والأرضية في فلسفة الصوم ومقاصده من حيث التعبد الصرف، ودوره في تزكية النفس، وتعذيب الجسد، وإيصال الرسائل السياسية. فمنهم من يصوم من أجل تعذيب وتدريب الجسد على الانقياد والطاعة (كالهندوس والبوذية والمذاهب الشرقية في الصين واليابان). ومنهم من يصوم من أجل تكفير الذنوب (كاليهود وغيرهم). ومنهم من يصوم من أجل سمو الروح ونيل التقى (كالمسيحين والمسلمين). ومنهم من يصوم من أجل إيصال رسالة سياسية وتسجيل مواقف سياسية ضد أوضاع سياسية أو قانونية أو عرفية معينة كما فعله غاندي ويفعله بعض الرموز السياسية داخل السجون. ولكن رغم هذا التقاطع أو التناغم بين هذه الديانات في فلسفة الصوم فان الاختلاف مازال قائما بينها حول زمن الصيام، ووقته، ومدته، ونوعه، وهيئة».
وهكذا وجدت بعض أشكال الصيام عند البدائيين والمأثور منها الصوم عن الكلام عند الأرامل، فالأرامل عند قبيلة كوتو، وهي إحدى القبائل التي تسكن الكونغو، يُعلنّ الحداد على أزواجهن مدة ثلاثة شهور قمرية، وفي هذه الفترة يحلقن شعورهن ويجرّدن أنفسهن من كل ملابسهن على وجه التقريب، ويطلين أجسادهن بالجص، ويقضين الشهور الثلاثة الأولى في بيوتهن صامتات. ومثل هذه العادة، تتبعها قبيلة سيهاناكان التي تسكن مدغشقر. ويحاول جيمس فريزر في كتابه (الفلكلور في العهد القديم) أن يجد وجه شبه لهذا اللون من الصيام في ديانة بني إسرائيل. فقد لاحظ أن الكلمة العبرية التي تعني أرملة، تعني أيضًا المرأة الصامتة، وقد أقرّ القرآن الكريم هذا اللون من الصيام في بني إسرائيل مرة عند بشارة زكريا بيحيى، ومرة بعد ولادة مريم للمسيح. كما قال الأستاذ صلاح الدين عبدالله في بحثه (شعيرة الصيام عبر التاريخ)..
من الواضح أن الصيام لم يكن موجودا فقط في الرسالات السماوية بل إنه كان موجودا في الحضارات الإنسانية القديمة، كما أن الصيام ارتبط ارتباطا وثيقا بالغريزة كما ارتبط بالعلاج ومكافحة الأمراض.. ولعل من أروع ما قرأته في هذا المجال ما كتبه الدكتور رافد علاء الخزاعي في دراسته (التطور التاريخي للصيام) مشيرا إلى أن التطور التاريخيئللصيام جاء مع التطور الحياتي والمعيشي للإنسان ومع التحديات التي يواجهها. قال تعالى: (يَا أَيلاهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فمن هذا السياق القرآني نتعلم أن الصيام موجود منذ بدء الخليقة فقد دلت الكتابات الفرعونية والبوذية والهندوسية وكتب ابقراط أن الصيام موجود. كما أن الكثير من علماء الانثروبولوجي «علم دراسة الإنسان» يقررون أن البشرية عرفت الصوم منذ فجر التاريخ. فقد اكتشفت وثائق تاريخية ثابتة عن صوم الفراعنة الذين سجلوا في نقوشهم على جدران معابدهم وعلى أوراق البردي الصوم كنوع من العبادة وتطهير الروح. وكذلك الصينيون مارسوا الصوم وخصوصا أيام الفتن والشدائد بحسب ما تأمرهم شعائرهم الدينية. وقد أثبتت الدراسات البحثية في مسألة الصوم وتأريخه أن الإنسان البدائي لجأ إلى الصوم عن الطعام والشراب كوسيلة للتداوي من الأمراض، وأكدت التجربة أن الصوم يمثل سلوكاً غريزياً لدى كُلٍّ من الإنسان والحيوان على حد سواء؛ للتخلص من العلل أو تخفيف حدتها. كما يصوم الإنسان عندما يصاب بالإسهال أو عندما يصاب بألم في المعدة لإعطاء فترة راحة لجهازه الهظمي.
أما الصابئة المندائيين أقدم الديانات الموحدة الموجودة على الأرض فقد كتب عليهم الصيام، فالصيام هو الركن الخامس في الدين الصابئي، لقد شرّع الله الحي القيّوم الصيام، ليهذّب (النفس: النشماثا) عند الإنسان الصابئي، وعليه أن يحذر من الأعمال التي تخدش هذا الصوم من قبل نفسه، حتى يتحقق الغرض والهدف من الصيام - في زعمهم- وفي كتاب الصابئة المقدس جنزا ربا: الكنز العظيم، الصوم إمساكاً عن القول والفعل، قلباً وعقلا وضميراً: باسم الحي العظيم.. لِتصُم عيونكم، وأفواهكم، وأيديكم.. لا تغمز ولا تلمز.. لا تنظروا إلى الشّر ولا تفعلوه.. الباطل لا تسمعوه.. لا تنصتوا خلف الأبواب.. نزهوا أفواهكم عن الكذب.. الزيف لا تقربوه.. أمسكوا قلوبكم عن الضغينة والحسد والتفرقة.. أمسكوا أيديكم عن القتل والسرقة.. أمسكوا أجسادكم عن معاشرة أزواج غيركم، فتلك هي النار المحرقة.. أمسكوا ركبكم عن السجود للشيطان وللأصنام الزيف.. أمسكوا أرجلكم عن السير إلى ما ليس لكم.. كما قال الدكتور رافد علاء الخزاعي.. ويبدو أن الفراعنة وسكان مصر القدامى قد تعلموا الصوم من الصابئة، وللحديث ب* باحثة في التراث الإسلامي







aak_news