العدد : ١٢٧٧٨ - الاثنين ١٨ مارس ٢٠١٣ م، الموافق ٦ جمادى الأولى ١٤٣٤ هـ

العدد : ١٢٧٧٨ - الاثنين ١٨ مارس ٢٠١٣ م، الموافق ٦ جمادى الأولى ١٤٣٤ هـ

دراسات

حلقة نقاشية في المعهد الملكي للدراسات الدولية بلندن حول:




مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

يواجه اليمن تحديات عديدة سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية منذ أن شرع في تطبيق المبادرة الخليجية التي وضعت حدٌّا لنظام «علي عبدالله صالح» - الذي استمر في حكم البلاد 33 عامًا - وبدا النجاح في التصدي لهذه التحديات شرطًا أساسيٌّا للقول إن اليمن بدأ بالفعل مرحلة بناء الدولة الجديدة القائمة على مرتكزات ديمقراطية والقادرة على تبني نموذجها التنموي الخاص بها. وبطبيعة الحال فإن بناء الدولة الجديدة والتصدي للتحديات على اختلاف أنواعها هي مهمة ينهض بها بالأساس أبناء اليمن.. بيد أن ضمان نجاحهم في هذا الأمر يتطلب دعم المجتمع الدولي لهم دولاً ومنظمات (وفي القلب منها دول مجلس التعاون الخليجي) سواء من خلال الدعم السياسي للحكومة الانتقالية، أو من خلال الدعم الاقتصادي لمواجهة احتياجات اليمن التنموية والتصدي للاحتياجات الإنسانية العاجلة للشعب اليمني.
ويعتبر مؤتمر أصدقاء اليمن من الآليات الدولية التي تستهدف مساعدة اليمن في مواجهة التحديات والمشاكل المشار إليها؛ حيث يضم العديد من الأطراف الإقليمية والدولية المعنية باستقرار الأوضاع في اليمن.. ذلك البلد المهم استراتيجيٌّا والذي يشرف على واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم.
ورغم أن هذه الآلية بدأت في عام 2006 وارتبطت بإدراك المجتمع الدولي لخطورة تحول اليمن إلى ملاذ للإرهاب الدولي (متمثلاً في تنظيم القاعدة بشبه الجزيرة العربية) وترتبت عليه التزامات من جانب الدول المانحة لمواجهة مشاكل التنمية وإعادة الإعمار؛ فإن المؤتمر الخامس الذي انعقد في لندن يوم 7/3/2013، كانت له أهميته الخاصة، ولا سيما أن حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي تواجه مشاكل اقتصادية عاجلة تتطلب التزام كل دولة مانحة بأداء ما تعهدت به ماليٌّا لصالح اليمن، كما تواجه أيضًا استحقاقات سياسية قادمة تبدأ بالحوار الوطني، فضلاً عن الانتخابات البرلمانية والرئاسية ووضع الدستور الجديد في العام .2014
ومن منطلق صعوبة التحديات التي يواجهها اليمن والتعويل على دور المجتمع الدولي ممثلاً في مجموعة أصدقاء اليمن في مساعدته على التصدي لها من خلال مؤتمره الخامس الأخير.. اهتم المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) - استعدادًا لهذا المؤتمر - بتنظيم حلقة نقاشية حملت عنوان «أصدقاء اليمن: المساعدة والمحاسبة» في 6/3/2013، وكان من اللافت تركيز المناقشات على موضوعين مختلفين، حيث تناولت الجلسة الافتتاحية رؤى المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المحلية لعملية إعادة بناء اليمن، بينما ركزت الجلسة الثانية على أصدقاء اليمن، ورغم أن هذين الموضوعين كانا أساس النقاش، فإنه كان من المفهوم أن يتم التطرق إلى العديد من المشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي عملت على زعزعة استقرار اليمن.
كان من بين الشخصيات التي تمت دعوتها للتحدث في الجلسة الافتتاحية: «محمد مراد مطهر» مؤسس مؤسسة «همة الشباب للتنمية»، و«رأفت الأكحلي» رئيس مؤسسة «رنين اليمن»، و«جميلة على رجاء» مؤسس ومدير مؤسسة «اليمن للاستشارات». بينما الجلسة الثانية تحدث فيها «أبو بكر القربي» وزير الشؤون الخارجية اليمني؛ و«جمال بن عمر» المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الأممي إلى اليمن؛ و«ألستير بيرت» وكيل وزارة الخارجية البريطانية.
في الجلسة الأولى بدأ «محمد مراد مطهر» الحديث فألقى الضوء على الأزمة الإنسانية العميقة التي يعيشها اليمن، وذلك بسبب المستويات المثيرة للقلق من انعدام الأمن الغذائي، والتي تصاحبها معدلات مرتفعة من البطالة والفقر، وركز على الحاجة إلى مواجهة مثل هذه الأوضاع من خلال إقامة مشروعات تعتمد بالأساس على الشباب اليمني المتحمس للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار وكذلك تقديم الدعم لمشروعات خدمية إنسانية مثل «بنك الطعام اليمني».. مبديًا الإصرار على ضرورة أن تسعى منظمات المجتمع المدني للاستفادة من الحماسة التي أظهرها الشباب لإعادة بناء المجتمع اليمني. ومثله مثل «محمد مطهر»، أشار «رأفت الأكحلي» إلى الدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني إذا رحبت الحكومة بمشاركتها، وأكد أن منظمات المجتمع المدني العاملة في اليمن تحظى بمكانة جيدة تسمح لها بالمساعدة في العملية الانتقالية، وخاصة فيما يتعلق بالمساعدة في أجندة التنمية والتي تسعى الى مواجهة المستويات المرتفعة لانعدام الأمن الغذائي والمائي، والفقر، والبطالة، هذا فضلاً عن الوصول المتأخر للإمدادات الطبية. وتحدث «الأكحلي» عن أهمية إثارة الوعي العام بأجندة التنمية والعمل الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني، واقترح إجراء مشاورات مع الشعب اليمني والذي تستهدفه هذه المشروعات التنموية.. مبديًا أسفه بسبب عدم وجود مشاورات بناءة في اليمن، وهو ما يرجع بالأساس إلى انعدام الخبرة.. لافتًا إلى ضرورة تكثيف الجهود باتجاه تحسين القدرة على إجراء مشاورات، وضمان امتدادها إلى ما هو أبعد من العاصمة صنعاء.
وبدورها عرضت «جميلة علي رجاء» تفسيرها الخاص للعملية الانتقالية من منظور المجتمع المدني، وخاصة فيما يتعلق بالحوار الوطني.. فقد أبدت شعورًا بالتفاؤل؛ إذ إنه على الرغم من أن عملية الانتقال «لم تكن ولن تكون عملية سهلة»، فإنها تعتقد أن اليمن يسير «على الطريق الصحيح».. ملقية الضوء على أربعة تحديات: سياسية واقتصادية وإنسانية وأمنية بحيث ينبغي على اليمن التغلب عليها إذا كان يرغب في أن يظل الانتقال على المسار الصحيح.. مؤكدة أهمية التعامل مع هذه التحديات بشكل مساو، وتجنب فخ التركيز بصورة ضيقة الأفق على المخاوف الأمنية قصيرة المدى. مدعية أنه إذا سقط صناع السياسة ضحية لهذا الفخ، فإن التركيز على الأمن سيأتي على حساب التغيير السياسي الحقيقي.
وفي الجلسة الثانية للحلقة النقاشية قدم وزير الشؤون الخارجية اليمني «أبو بكر القربي» رؤية الحكومة اليمنية فيما يتعلق بدور مجموعة أصدقاء اليمن، والمساعدات الخارجية التي تم تقديمها إلى بلاده، فأعرب عن امتنانه وامتنان دولة اليمن للشركاء الدوليين، والدعم الذي كان يتم تقديمه لها من خلال مجموعة أصدقاء اليمن.
وأشار القربي بشكل خاص إلى المملكة العربية السعودية نظرًا الى الأموال الكثيرة التي تبرعت بها أو وعدت بالفعل بالتبرع بها إلى اليمن (حيث قدمت الرياض في السنوات الخمس الأخيرة ما يقرب من 3 مليارات دولار لليمن)، وذكر أن العمل الذي يجري الاضطلاع به تحت رعاية مجموعة أصدقاء اليمن يوضح الإقرار بالأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها اليمن على الصعيدين الإقليمي والدولي، فضلاً عن الإقرار المشترك «بالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية الكبيرة» التي يواجهها هذا البلد. وحث المسؤول اليمني المجتمع الدولي على الاستمرار في تقديم «المشورة» إلى جانب «العمل الحقيقي» وتقديم «الدعم» لتسهيل الجهود اليمنية من أجل «العمل بالتوازي مع هذه التحديات». ومع ذلك، كان «القربي» على ثقة بأن الاجتماع الخامس لمجموعة أصدقاء اليمن سيقدم لليمن دفعة جديدة للتخلص من القوى السلبية التي تعوق طريقه، وتستند هذه الثقة على إدراكه لخطورة انتشار المشاكل اليمنية عبر المنطقة والعالم، مثلما كانت الحال عليه في عام 2009، عندما حاول «عمر الفاروق عبدالمطلب» تفجير طائرة في طريقها من أمستردام إلى ديترويت، وهي الواقعة التي أدت، على نحو طارئ، إلى تشكيل مجموعة أصدقاء اليمن- الأمر الذي ركز عليه أيضًا «أليستر بيرت» خلال الكلمة التي ألقاها.
وعلى نحو مماثل لـ «جميلة علي رجاء»، أسرع «أبو بكر القربي» للتأكيد أهمية عدم التركيز فقط على المصالح الأمنية الضيقة.. موضحًا أهمية التصدي للفقر واسع النطاق في اليمن، وعلاوة على ذلك، أسرع إلى التقليل من شأن تهديد تنظيم «القاعدة في اليمن؛ بالرغم من إقراره بأن هذا التنظيم لا يزال يشكل مصدرًا كبيرًا للقلق، بيد أن هذا التهديد ذاته لم يتم فقط «المبالغة فيه»، ولكنه أيضًا بحاجة إلى إتباع نهج جديد في التعامل معه غير اللجوء إلى القوة الغاشمة؛ الأمر الذي يمكن تفسيره على أنه نقد غير مباشر لاعتماد الولايات المتحدة المفرط على حملتها ضد خلايا وعناصر التنظيم باستخدام الطائرات بدون طيار.
ومن جهته يرى «جمال بن عمر» أنه بعد تنظيم «الخطوات الأولى الحاسمة نحو تحقيق استقرار اليمن» - حيث توسطت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي، بشكل فعال، لإبرام صفقة أسفرت عن الإطاحة بالرئيس «علي عبدالله صالح» عقب 33 عامًا من توليه لزمام السلطة- استمرت دول المجلس في تقديم دعمها الكامل للرئيس اليمني الحالي «عبدربه منصور هادي».
وأشار المتحدث إلى أنه يتردد أن دول التعاون قد حذرت «صالح» وأعوانه من أنه من الممكن أن يتم سحب الحصانة السياسية الممنوحة لهم بموجب الشروط الأصلية للمبادرة الخليجية، إذا وُجد أن هناك أطرافًا تسعى إلى تقويض عملية الانتقال السياسي في اليمن.
وذكر «بن عمر» أن مجلس الأمن مثله مثل مجلس التعاون الخليجي، أولى أيضًا أهمية كبيرة لخلق بيئة مواتية لإنجاح التحول المقترح.. لافتًا إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2051 حذر «المفسدين» من القصاص إذا لزم الأمر.. وهو تحذير فُسر على أنه موجه إلى «عبدالله صالح» لمنعه من القيام بأي محاولة لاستعادة السلطة من خلال تهديده برفع الحصانة عنه وملاحقته قضائيًا. ومن المثير للاهتمام أنه عندما طُرح سؤال حول كيفية حل المظالم طويلة الأمد التي يعاني منها الجنوبيون، أكد «بن عمر» أن الأمم المتحدة ليس لديها وصفة دقيقة لكيفية تسوية مثل هذه المظالم، إضافة إلى أنها لا تسعى لأن تملي على اليمنيين حلولاً معينة بشأنها. ومع ذلك، كشف عن أن الأمم المتحدة ستستمر في التأكيد على أهمية حل المنازعات السياسية الحساسة عن طريق الحوار، ومن ثم أكد مجددًا حاجة الجنوبيين للتخلي عن كل أشكال العنف.. مظهرًا قدرًا من التعاطف معهم جراء المظالم التي تحملوها، والتي أدت إلى تزايد الكراهية تجاه الشمال والحكومة المركزية بصنعاء، وذلك بالرغم من أنه أقر بوجود «قبول حقيقي» بشأن المظالم في الجنوب سواء داخل اليمن، أو من المجتمع الدولي. ونوه المبعوث الأممي إلى أن تقصير حكومة «علي صالح» السابقة هو الذي دفع الجنوبيين للمزيد من التطرف وتبني موقف أكثر تطرفًا مثل الدعوة الى انفصال الجنوب. وهنا يعلق «جمال بن عمر» بعض الآمال على الحوار الوطني؛ حيث إنه سيوفر جوٌّا بناءً يمكن من خلاله البت في المظالم التي يعاني منها الجنوبيون وربما حلها وديٌّا؛ حيث رحب بشمولية اللجنة التحضيرية للحوار الوطني وضمها لمختلف الأطراف (التقى «بن عمر» يوم 9/3/2013 بدبي مع عدد من قادة الحراك الجنوبي لإقناعهم بالمشاركة في الحوار)، كما أنه أثنى على عمل اللجنة من أجل بلورة «رؤية وطنية» قابلة للحياة، ووصف خطة الحوار الوطني التي تمت الموافقة عليها بأنها هي «الأفضل» والتي لم يشاهد مثلها على الإطلاق في أي بلد.
وأخيرًا تحدث «أليستر بيرت» عن قبول بريطانيا استضافة الاجتماع الخامس لمجموعة أصدقاء اليمن، فأشار إلى وجود حالة من التوافق بين الأحزاب البريطانية فيما يتعلق بالاعتراف المشترك بضرورة دعم اليمن في المجالات كافة، كما أكد استمرار حكومة «ديفيد كاميرون» في المشاركة بمجموعة أصدقاء اليمن، وذلك على الرغم من أن مبادرة دعم اليمن قُدمت من حزب العمال وأقرها رئيس الوزراء السابق «جوردون براون». وكشف «بيرت» عن أبرز القضايا الجوهرية التي كان سيتناولها مؤتمر مجموعة أصدقاء اليمن الذي انعقد في 7/3/2013، فتحدث عن أهمية إحراز تقدم في الحوار الوطني والاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2014، إضافة إلى تحويل 7,8 مليارات دولار تعهد أصدقاء اليمن بتقديمها.. وتأكيد النقطة الأخيرة، أكد «بيرت» أن وزير الخارجية البريطاني «وليام هيج» يسعى إلى «محاسبة المانحين» للتأكد من أن المساعدات قادمة إلى اليمن.. مشددًا على حاجة اليمن للتأكد من وضع آليات فاعلة يمكن من خلالها توظيف المساعدات التي وعدت بها الدول المانحة.
والمتابع للمؤتمر الخامس لأصدقاء اليمن (الذي حضرته 39 دولة ومنظمة دولية) يلاحظ أنه غطى وبدرجة كبيرة الموضوعات والقضايا التي تناولتها الحلقة النقاشية؛ حيث ركز على ثلاثة محاور رئيسية، الأول: خاص بمستجدات العملية السياسية والترتيبات الجارية للحوار الوطني الشامل وكذا سير التحضير للانتخابات في فبراير 2014، والثاني: خاص بالوضع الاقتصادي والتنموي وتقييم مستوى تنفيذ المخصصات المقدمة من الدول والمنظمات لدعم برامج التنمية اليمنية، والثالث: يتعلق بالجانب الأمني وتحديات الإرهاب والقرصنة وتهريب البشر والمخدرات التي تضر بدول المنطقة.
ولقد خلص المؤتمر في نتائجه إلى تجديد الدعم الدولي للحكومة اليمنية وللعملية الانتقالية التي ولدت بموجب المبادرة الخليجية، وأكد وقوفه مع اليمن ضد معرقلي العملية السياسية، وشددت الأطراف المشاركة على أن عدم استقرار هذا البلد يهدد الأمنين الإقليمي والدولي.
أيضًا أبدى المؤتمر دعمه طلب الرئيس اليمني من الأمم المتحدة التحقيق في شحنة الأسلحة التي ضبطت على شواطئ اليمن والمتورطة فيها إيران، وطالب الحكومة اليمنية بتأسيس وحدة تنفيذية لوضع الأولويات لصرف الأموال الممنوحة لها.. فضلاً عن أن الدول التي لم تخصص الأموال التي تعهدت بها أكدت أنها ستقوم بذلك قريبًا.
والمهم أن المؤتمر كان بمثابة رسالة دعم ومساندة لقرارات وإجراءات الرئيس «عبد ربه منصور هادي» ولحكومة الوفاق الوطني لإنجاح العملية السياسية وتحقيق غاياتها.. عاكسًا إدراكًا عامٌّا أن الحل في اليمن يبقى يمنيًا بالدرجة الأولى، ودور المجتمع الدولي هو أن يراقب ويدعم ويؤسس لليمنيين وسيلة تخرج بلدهم من دوامة المشاكل التي انعكست بالسلب على أمن واستقرار اليمن وجعلت شعبه يعيش في أزمة حقيقية على الصعيد الإنساني.. كما جعلت دول المنطقة ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي تعيش حالة من القلق لانعكاس الأوضاع الأمنية غير المواتية في هذا البلد على أمنها واستقرارها، ولذا تحاول التعاون مع الأطراف المعنية من أجل حل مشاكله.























aak_news