الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٥٥٩ - الجمعة ١١ أغسطس ٢٠١٢ م، الموافق ٢٣ رمضان ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

في مديح بائعة القيمر!




لشعراء البصرة ومن أجيال مختلفة، قصائد حمل متنها أوجاع الشاعر الشخصية، واحباطاته، وذكرياته المريرة، اضافة لقصائد تم تخصيصها للهم العام، سواء بشكل مباشر أو باستخدام الرمز، والتضمين، والإشارة، ابتداء من بدر شاكر السياب، محمود البريكان، سعدي يوسف، كاظم نعمة التميمي، زكي الجابر، عبد الرزاق حسن وغيرهم، وليس أنتهاء بجيل تال لهم، كجيل عبد الكريم كاصد، كاظم الحجاج، حسين عبداللطيف، عبد الخالق محمود، مجيد الموسوي، وغيرهم ومما تلاهم أيضا بعد ذلك من أصوات شعرية كطالب عبد العزيز، كريم جخيور، حبيب السامر، والقائمة تطول، والقصائد التي كتبت لتصف معاناة الذات واحباطاتها، وحزنها، وما يعيشه الشاعر لا تهم في أغلب الأحوال الكثيرين إلا صاحب التجربة. الكثيرون ممن كتبوا في هذا الغرض لم يعرضوا تجربتهم الإنسانية العرض الفني الصحيح، فجاءت صرخاتهم ضاجة بالأصوات غير المفهومة، وعادة لا يعبأ القارىء بما لا يفهمه أو ما لا يجد صداه في نفسه، ونجح القسم الآخر وخصوصا ما كتبه رواد القصيدة، ونال شهرته العريضة كقصائد السياب المرضية وقصائد عزلة البريكان، وما كتبه الجابر في منفاه الامريكي قصائده عن معاناته الذاتية في الغربة، قبل وفاته، والتي لم يمض عليها سوى شهور قليلة.
وللشاعر حبيب السامر في ديوانه الجديد، الذي صدر قبل أيام قليلة ز أصابع المطر «هذا الانسحاب من الذاتي المغرق في الهم الشخصي إلى الهم العام من خلال الواضح المعلن، أوالمضمن، الذي تطلبت ظروف كتابته نوعا من الغموض الفني، الذي يثير عادة لدى القارىء احتمالات التأويل، وما يتبع هذا التأويل من بناء آخر للنص يرتبه القارىء لنفسه، للتألف مع المقروء، وفهمه، ومن صفحة الهم العام، نقرأ عن البصرة، فنراها قد تحولت إلى مقبرة نبتت بين جنباتها شجيرات الخرنوب، ومن أعواد أغصانها اختيرت العصا المناسبة لجلد بواطن أكف طلاب المدارس في صباحات الشتاء الباردة: «على سياجِ مقبرة الانجليز- تتعانق أَغصان الخرنوب- و في الطرِيقِ إلى مدرسة الرباط- يحشر التلاميذ أَجسادهم بين القبور «من» قصيدة عصا الخرنوب« ص11 والقصيدة تحدد مكانا محددا في البصرة القديمة، وتطلق في فضائه زمنا قديما، هو زمن الوجود البريطاني في هذه المدينة، عندما كانوا يعيشون فيها سادة، ولهم فيها حياة وولادة وموت ودفن في أرضها، وخلفوا بعد رحيلهم عنها مقبرتهم: »مقبرة الانجليز»، أنه ينقلنا إلى منظر بانورامي للموت والحياة، عقاب المذنبين والغافلين والغائبين عن درسهم في الصف، ووحشة القبر، وما بعد الموت من عذاب، نشعره في وحشة القبور المهدمة، وانحشار الطلاب بين طابوقها المثلم، للتسلية، أولمجرد الهروب من الدرس وسط ممرات المقبرة، ووخز شوكها وعاقولها، وخرنوبها، هي صورة لا واعية للهروب، ولكن إلى أين الهروب؟ وهل لحي أن يفر من الموت، مهما طال عمره؟ ! ومن أغرب ما في الموت انه مخلوق كالحياة، وقد جاء عن هذا في القرآن الكريم «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيلاكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» ]الملك: .2 فكما الحياة خلقت، فقد خلق الله تعالى الموت أيضا، وناور الشاعر على هذا الطباق في قصيدته: الموت والحياة، البناء والخراب، العقاب والثواب، الشوك والزهور، الطفولة والهرم، الماضي والحاضر.
ولدراسة العناصر الإيقاعية واللغوية والتصويرية، وما ورد فيها من وعي وثقافة الشاعر من رموز وإحالات في هذه القصيدة علينا تفكيك النص، ومعرفة عناصر ايقاعاته الداخلية ببناها الصرفية والنحوية والدلالية، وهي التي اعتمدها في الكثير من قصائد الديوان الست والعشرين، وما جاء أيضا في النص: »التلميذ الهارب من الدرس الأول/ يسرق زهرته الأولى من المقبرة/ الحارس يقظ / يطلق صيحة/ الخرنوب العالق بقمصانهم البيض/ يرسم آثَار فَوضاهم خطوطا على أَجسادهم الغضة/ يسرقهم النهار/ وهم يتلذذون بقَطف الأَزهار» نحو «زهرته»، المقبرة، صيحة «و» النهار، الأزهار «و» الهارب، الخرنوب «و» يطلق، يرسم، يسرق، يتلذذ «فعناصر الشاعر الايقاعية كثيرة، وعمادها كما رأينا بتكرر الصيغ الصرفية والأفعال، التي تحفل كما رأينا بمدود» جمع مد «وهي ذات تأثير موسيقي، سمعي، وتقطيع الكلمة إلى حروف، هاطلة على الورق كقطرات المطر، والشاعر هنا لا ينقل هما ذاتيا في قصيدته بل ينقل لنا أصداء أنين مدينة كاملة تتوجع من ماضيها وحاضرها: «مخيف هو ليل المقبرة/ و في الصف هم غائبون/ بِعصاه الغليظة/ المعلم يتوعد. /المراقب/ بحروف كبيرة يكتب أَسماء الغائبين» ص 12
ويكمل الشاعر نقل المكان من ماضيه، المزهر بالموت والخرنوب والطفولة المعذبة، إلى حال المدينة في حاضرها، قصيدة تجعلك قريبا من أغصان خرنوب البصرة المزهرة، وتقرأ البصرة في أوراق الشاعر: «حين كبرنا/ في كل صباح نمر/ لا ورد في المقبرة/ لا حارس في المقبرة/ حتى الموتى/ لا ورد يؤنس وحشتهم/ لا حارس يسقي صبارات نمت على قبورهم/ التلاميذ/ لا يحشرون أجسادهم هناك/ تلاشى السياج، تهدمت القبور/ وظل الخرنوب وحده يعانق ظلال المقبرة. «ص13وهذا البناء للمدينة في الماضي، والنظر إليها في علاقاتها الجديدة في الحاضر نجده في الكثير من قصائد الديوان: كقصائد» قصب أجوفس ص21 «أصابع المطر» ص 29 «الوضوح كما ينبغي» ص 35، «رسم بلون الزيت» ص41، وفي مديح «بائعة القيمر» نقرأ ص53، »إنه من سلالة الريف/ ورائحة المعدان/ أحدهم قال وعدل من جلسته هامساً: ويفتح الريق/ المارة يتناوبون/ الصباح طازج في الصحون/ البياضان / القيمر/ الصباح/ تجلس الآن قبالة أطباقها/ البيوت الخفيضة تفتح ابوابها/ عن كسل في العيون/ تريق الحليب من صحون فاضت به/ قرب باب البيت القديم/ تزحف الشمس ببطء/ تزاحمها/ ترصع جبهتها العريضة بالضياء ،/ بائعة القيمر/ حملها الثقيل/ هي ذاتها/ هيأتها ، قوامها / الأطباق متراصة/ أطباق ... ص 54«.
والشاعر يبني نصه على صور واقعية تمزج بين هيأة بائعة القيمر وما تبيع، طباق فوق طباق، بياض الصباح وبياض القيمر، بياض وجه البائعة وبياض قيمرها، ويستخدم الطباق اللغوي كالموت والحياة، قام وقعد، سكن وتحرك، بني وهدم، وعلى الاستعارة، كالقمر الهرم، كواكب طحلبية، ساحات المزامير في قصيدة «بقايا ضوء» ص59 أما صورالعناصر التصويرية، فأغلبها مبنية على صور واقعية، كالجسر الأسود، كخفق الخطى، كالنهر الصامت من قصيدة «الجسر الأسود» ص 81 والشاعرالسامر نهل في ديوانه الجديد من قاموس القصيدة اليومية، التي شاع استخدامها في الكثير من نصوص مجايليه، فهو لم يعمد إلى قاموس خاص به، ابتغاء تمييز نصوصه عن غيره من الشعراء، مما أعطى نصه بساطة وقدرة على التعبيرعن الذات المكلومة للإنسان البسيط، الذي حدد قاموسه اللغوي بمفردات محدودة، لها علاقة بالحزن والفقد والتذكر، والفقر، والظلم، وغيرها مما ألفه فقراء العراق.
{ ديوان «أصابع المطر» صدر عن دار السراج / دمشق- سوريا / 12



* كاتب وصحفي
moc.liamtoh@nassahlassiaf





نسخة للطباعة

لو كانت سميرة رجب مواطنة أمريكية!

... [المزيد]

الأعداد السابقة

Buy high quality China wholesale clothing, electronics products from Chinese Wholesalers on DHgate.com